كتبت: حنان فضل الله
اللوحة أعلاه للمخرج #garabettahmajian
خسرنا معركة ومن يكابر فهو لا يرى الحقيقة وإن ناصَرَ الحقّ.. لكن بدل الندب والإحباط والتخبط وفرفكة اليدين.. أليس علينا علينا أن نبحث عمّا أوصلنا إلى هذا الواقع البائس..
خسرنا معركة لأسباب عدة.. منها أننا تصرّفنا “طبيعي” في ظرف غير طبيعي ومع عدوّ وفيّ لطبيعته في “التكتكة” وطول النَفس والتخطييييييييييييييييييييييييييييط.. ثم انقضّ علينا ونحن مغيّبون عن وعي تتطلّبه المرحلة..
إضافة إلى ما تقدّم.. كان من أفدح أخطائنا.. أننا أصرّينا على دق باب المجهول الذي نجهل.. واتكلنا على صنفين من البشر: العرافين والمحلّلين السياسيين.. فأكلنا الضرب وكان ما كان..
وحتى لا نُلْدَغَ من جُحْرٍ مرّتين.. لا بدّ من ألاّ الخطأ الذي سيقودنا إلى النتيجة ذاتها: الخسارة.. هذه المرة ستكون- لا سمح الله- القاضية، خصوصاً وأن الموسم.. موسمُ التوقّعات هلّ.. وبات التنافس واضحاً بين أهم فئتين مذكورتين في الفقرة السابقة..
لمحة من ماضٍ سحيق:
منذ فجر التاريخ وما قبله، والإنسان شغوف بالمجهول، يشدّه فضوله لمعرفة الآتي وكي لا تمشي عليه الحكمة القائلة: الإنسان عدوّ ما يجهل!! ها هو يعاند، ويحاول بشتى الطرق أن يتعرّف إلى عدوّه (المجهول) المتلبّس به.. بالفطرة، يرغب بقوة باستراق معرفة ما هو آتٍ.. وكي لا يتعب نفسه بالتحليل والمراقبة والبحث والاستقصاء.. يتّكل على العرّافين وقرّاء البخت.. أما اليوم فصار لاستقراء المستقبل أهلُ اختصاص آخرون: جماعة التحليل السياسي.
لنعد قليلاً بعد بالتاريخ الى الوراء:
في الديانات القديمة، وقبل المُسَلَّم بها/ التقليدية- السماوية (أياً كانت التسمية الرسمية): اليهودية والمسيحية والإسلام، كان الكهنة والسَحرة والعرافون يتحكمون بمصائر الأمم من خلال بعض علوم عرفوها واستخدموها للسيطرة على الحاكم فيسيطر بدوره على المحكومين (الرعية)..
ومع تطوّر الأزمنة وتحكّم الأديان “الرسمية” بحياة ويوميات “المؤمنين”، صار لكل دين عرّافوه، لكن بطريقة كلّ منهم.. وباسم الله ومندوبيه على الأرض، غسلوا أدمغة هؤلاء المؤمنين و”شطفوها” جيداً ثم رتّبوا فيها أدعية ورٌقيات، طقوساً وعبادات، تفسيرات وشروحات وتأويلات جعلت العباد عبيداً وطوع أمر المتحكمين بالحاكمين.. شوّهوا الأصل وصادروا الفطرة.. وتحوّلوا من وسيط (مصطنع) بين الله ومخلوقاته.. إلى آلهة تحكي وتفتي نيابة عن القدير.
وعبر الأزمنة.. كان للملوك والحكام والزعماء (أشباه آلهة) عدد من العرافين يتحكّمون من خلالهم بالناس- عامة الناس- وربما يتحكّمون من خلال ملوك وحكام وزعماء آخرين بالملوك والحكام والزعماء..
من شقّ بن الصعب إلى ليلى وبترا وآلان..
من نوستراداموس الى راسبوتين وبابا فانغا البلغارية (العرافة العمياء) وإدغار كايس وقبلهم أشهر كهنة الفترة الجاهلية، شقّ بن الصعب وعرّاف اليمامة المعروفين في عصره وله تأثير كبير.. منجّمون أثروا في زمنهم وحكامهم وتحتهم درجات بالشعب المتأثر بمن “يدّعي” الوشوشة بالغيب.
على أيامنا وزماننا، بات “أسياد” البث بأسماء واكبت العصر إلا ليلى (أقلّه باسمها العتيق).. فيهم ميشال ومايك وسمير ثم بترا وآلان.. أسماء لمعت وتحوّل أصحابها إلى نجوم ونجمات في عالم المشاهير يحتلون الشاشات والمنصّات وتتحوّل أسماؤهم إلى ترند.. إلا أن الظروف المُستحكمة من سياسية إلى أمنية إلى اقتصادية ومناخية وحتى صحية أزاح هؤلاء العرافين الموسميين عن البروزة الإعلامية، ليحلّ محلهم صنف جديد من النجوم: أهل التحليل السياسي.. والخيط الرابط مع “زملائهم” العرّافين: قراءة أو استقراء المستقبل “المجهول” إلا عليهم!!
بين العرّافين وجماعة التحليل السياسي.. “عَلْقة”!!
يكفي أن تجول على المنصات الإلكترونية لتراهم (هنّ) في مقابلات مطوّلة مع عناوين تشدّ العصب وتستثير الفضول (المذكور أعلاه) أو تحاصرك المقتطفات لتحليلاتهم لمزيد من الجذب..
من شاشة إلى إذاعة إلى منصة إلكترونية (حتى تيك توك لم يسلم منهم)، يتنقّلون ويُنقلون بصفات عدة وهدف واحد..
صفاتهم منهم وفيهم، مجبولة بالهدف المرجوّ: محلّل سياسي، كاتب سياسي، باحث سياسي، خبير عسكري واستراتيجي، خبير بالشؤون الامنية، خبير بالشؤون الجيوسياسية.. كذلك تخصصاتهم في شؤون الدول.. عال..
قبلاً.. كان هؤلاء قلّة.. يشدّون اليهم الجمهور المتعطش لمعلومة او لتحليل ذكي يساعدهم على تلمّس حقيقة ما.. ينتظرهم المتابع للأحداث ليساعدوه على استشراف حقيقة ما، فَهْمِ واقع سياسي ما، مرحلة مقبلة ما..
أما اليوم فإن الأمور خرجت عن السيطرة تماماً، إذ تكاثر المحلّلون السياسيون إلى درجة تُربك حتى الباحث عن المجهول (عدوّه).. تكاثروا لدرجة أنهم باتوا يتنقّلون بين الشاشات، المنصات الإلكترونية (جميعها وقد تكاثرت بدورها) من دون أي إنذار، يكفي أن تترك هذا النص الآن و تقوم بجولة “إلكترونية” ليطالعك أحدهم (إحداهن) ويجود بأفكاره وقراءته للأحداث و”للمستقبل”.. تحليلات ما أنزل الله بها من سلطان.. لكن.. لكن.. ألم تستنتج بعد أن كل ما بُنِيَ على باطل.. فهو حتماً باطل.. وينطبق القول على التحليل السياسي أيضاً..
موضة أخرى استحلاها القيّمون على الإعلام بنسختين وموضة:
الخبيثة الداسّة للسمّ في العسل وفي كلام الحق (الرأي) الذي يراد به باطل (الرأي الآخر) إذ وبحجة حرية الرأي (والديمقراطية) التي لا تليق بالجميع (حتماً وطبعاً وبالتأكيد)..
البلهاء التي تقلّد الخبيثة، وتظهر مشوّهة وغبية وغير فاهمة لما يجري ولما تتركه من أثر مُحبِط على المتابع..
أما الموضة فهي: استقبال ديكين على “مزبلة” بثٍّ تدعي الديمقراطية (إياها) فيتناتفان رأياً ورأياً آخر، يتصايحان وقد يتضاربا، يتبادلان الشتائم فلا يبقى إلا المنطق وإلى جانبه الحق ينتحبان في الزاوية، ويعلو الرايتنغ (!!) على حساب أعصاب ومفهومية المتابع..
وبالعودة إلى التنافسية الواضحة بين قطبي التوقعات: المنجمون والعرافون من جهة وقراء “الودَع” السياسي من الجهة المقابلة.. نسأل لِمن الغلبة؟ ومَن هو الخاسر الأكبر؟
في حِسبة بسيطة وسريعة فإن كليهما “كسبان”، والخاسر “نحن” الجمهور المتلقّي..
فنادراً ما يوفقنا الله بمحلل فاهم لما يجري، (نادراً) غير رابخٍ تحت الحقد أو قاعد فوق الكيد.. من هذه الجهة أو تلك.. موضوعي يقول ما لمحوره وما عليه.. ينصح بالنقد الذاتي لتجنّب الأخطاء مستقبلاً، بكثير من فطنة وقليل من تشاوف..
فلنتبع هذا الواعي ونصدّقه.. ونتمسّك به وندافع عن حضوره حيثما حلّ ومهما قسا خطابه.. أما من تبقّى.. فلنتركهم لنجوميتهم وشوفانيتهم وتقبّلهم للسباب والسباب الآخر، وللرايتنغ..
المستقبل الذي يتهافت لقراءة كفّه من هبّ ودبّ في عالم التنجيم والتحليل السياسي.. لن يعرفه رامي وَدَعٍ ولا محلّلٌ أو ناشطٌ وما شابه.. بل من يعرف “سرّ” صناعة النصر فَيُعمل على تفكيكه ليكسب في المعركة الحاسمة الأخيرة القادمة.. وبس!!


