بقلم د. فراس أ.م. الحركة
متابعة: هلا حداد
منذ أوائل التسعينات، كان زياد الرحباني يكتب على الخشبة ما يشبه “التقرير السنوي” عن لبنان: بلد ينهض من حرب، لكنه يحمل في جعبته كل أسباب الانكسار. مسرحياته بخصوص الكرامة والشعب العنيد (1993)، لولا فسحة الأمل (1994)، والفصل الآخر، كانت أكثر من كوميديا سياسية؛ كانت أرشيفًا اجتماعيًا يُعرّي السلطة، ويضع المرآة أمام المجتمع.
من الكرامة إلى الأمل… ثم الفصل الأخير
في بخصوص الكرامة والشعب العنيد، قدّم زياد صورة شعب “عنيد” بالبقاء، لكنه عاجز عن تغيير النظام الذي يسلبه حقوقه. في لولا فسحة الأمل، أظهر كيف يعيش اللبناني على أمل وهمي، يتعلّق بشعارات فارغة بينما واقعه يزداد سوءًا. أما الفصل الآخر، فكان إقرارًا أن المشهد لم يتغير، بل تحوّل إلى نسخة أكثر وقاحة.
من قلب الحوارات الساخرة، برزت مواضيع أساسية:
- الهجرة: “ما عاد هاجروا بس الأدمغة، هاجروا كمان الشراميط!” إشارة إلى نزيف الكرامة قبل العقول.
- الكهرباء: “بدنا الكهربا تجي عالناس، مش الناس تروح عالكهربا!” وصف مبكر لاقتصاد المولدات.
- السرقة والفساد: السياسيون والحرامية وجهان لعملة واحدة، والمواطن يعتذر من الحرامي بدل أن يواجهه.
- الجهل: نقد لثقافة التسليم والتبرير الطائفي.
- المخدرات: تصوير لمجتمع يبحث عن “تعطيل وعي” هروبًا من مواجهة مشاكله.
- الطب والفساد الصحي: انتقاد لنظام صحي يتعامل مع المريض كزبون لا كمواطن.
- التكبر الاجتماعي: سخرية من الطبقات التي تمارس “فوقية” في بلد مفلس.
- المواطن العادي: الضحية الدائمة، المثقل بالضرائب، والفاقد للثقة.
زياد… موثّق لا متنبئ
عندما يُسأل: “هل تنبأ زياد بالمستقبل؟” تكون الإجابة الواضحة: لم يتنبأ، بل وثّق واقعًا بنيويًا لم يتغير. الطائفية، المحاصصة، وغياب الدولة كانت موجودة في التسعينات كما هي الآن. الفارق الوحيد أن الفساد أصبح أكثر علنية.
حوار مع الأفكار:
س: ليه سمّى المسرحية “الشعب العنيد”؟
ج: لأن عناد الشعب كان في البقاء والتأقلم، لا في التغيير. عناد للبقاء على الخطأ، لا لمواجهته.
س: زياد كان عم يتنبأ بالمستقبل؟
ج: لا، كان يسجّل أحداث الحاضر التي ما زالت مستمرة.
س: كيف تناول الهجرة والمخدرات؟
ج: بالتهكم اللاذع، رابطًا هجرة القيم بهجرة الناس، والمخدرات برغبة المجتمع في تعطيل الوعي.
س: الكهرباء؟
ج: سخر من غيابها كأنها خدمة أسطورية، قبل أن يتحوّل انقطاعها إلى اقتصاد بديل.
س: المواطن العادي؟
ج: في مسرحه، المواطن الضحية يبتلع الإهانة ويكمل يومه، مسالمًا ظالمه.
س: أصعب عبارة؟
ج: “المشكلة مش بالنظام… المشكلة إنو نحنا منحبّو!”، نقد للمجتمع قبل السلطة.
من المسرح إلى الشارع… ومن الكوميديا إلى الحقيقة
زياد الرحباني لم يكن مجرد كاتب وموسيقي، بل مؤرّخ ساخر للمرحلة. أعماله اليوم أشبه بأرشيف حيّ لما عشناه ونعيشه. هو الوحيد الذي ضحكنا معه من قلب وجعنا، وبكينا حين أدركنا أن النكتة ليست إلا حقيقة مرّة.
كلمات وداع لجمهورهم
كل المحبين، نتوجّه بأحرّ التعازي إلى الشعب اللبناني برحيل الرجل الذي جمعنا حين فرّقتنا السياسة، ووحّدنا حين مزّقتنا الطوائف. زياد الرحباني، الصوت الذي صدق حين كذب الجميع، والوحيد الذي أضحكنا من قلب وجعنا، وأبكانا بضحكته الساخرة. رحل الجسد، لكن الكلمة باقية، والمسرح لا يُطفأ فيه الضوء. برحيل زياد الرحباني، خسرنا صوتًا نادرًا جسّد وجع الوطن بصدق وسخرية. تعازينا لكل من أحب صوته، فكره، ومسرحه الذي لن يُنسى.



