عن تجسيد شخصية الرسول الأكرم في السينما والكيد السياسي..

كتبت: حنان فضل الله

يستمرّ “المسلمون” في الأخذ والردّ والردح والردح المضاد، ولن يتوقفوا، تحكمهم التفرقة والكيد والتباغض والتباعد.. حتى صاروا مذاهب متناحرة وفرقاً متباغضة.. رغم كل سعي أصحاء العقول لتوحيد الكلمة، إكراماً لله وحبيبه محمد..

نسي المسلمون الرسالة النبوية الشهيرة و”تسلّوا”- ولا يزالون- منذ مئات السنين، ببعضهم- والعدوّ  الأزلي والأبدي، قبل وبعد، يتفرّج وهو يداعب شعر ذقنه و”فتائل” شعره النازلة من تحت طاقيته، المجعّدة المتدلية على طرفي رأسه يميناً ويساراً.. يتفرّج عليهم، ويتلاعب بهم أيضاَ ويبخّ سمومه الفكرية والاجتماعية والانسانية.. مجعلكاً مبادئهم التي لم يتمسّكوا بها.. شامتاً محتلاً معتدياً.. ثم معه يطبّعون.. ويجرّمون الآخر .. إلى الدم والتجريم والتكفير درّ.. حتى ضحكت من جاهليتهم الأمم، علماً أنهم وصفوا بـ “خير أمة أُخرجت للناس”..

هذا من جهة.. قد لا يبدو أن لها علاقة بالجهة الثانية التالية.. ولكن مهلاً.. فالجهة التالية الثانية تطال أتباعاً يعنيهم الأمر كلّه.

من جهة ثانية، لقد تعب الأتباع- اتباع الدين الحنيف القويم، أو هكذا يبدو.. من البحث عن مصدر “محايد” موضوعي لا تغلبه الغريزة الدينية ولا التعصّب الأغبى ولا الموانع المُفتى بها لأسباب لم تعد تقنع أحداً.. في زمن الصورة بكل أبعاد معانيها.. فقرّر هؤلاء الأتباع آسفين طبعاً، التوقف  عن البحث.. أو لنقل إن حماستهم خفّت كثيراً.. 

مناسبة هذا الكلام؟! عرض فيلم محمد رسول الله لـ محمد مجيدي (2015).. الذي “لبدت” الآراء حوله، حتى أعيد عرضه منذ أيام على شاشة آي فيلم الإيرانية، والفيلم من إنتاج إيراني ضخم.. أمضى من عملوا عليه سنوات في البحث والتنقيب، حتى توصلوا إلى جمع بعض من سيرة رسول الله محمد بن عبد الله (ص)، ظروف ولادته طفولته، حتى سنّ الرابعة عشرة تقريباً من عمره الشريف.

كل الآراء تمحورت حول “جنسية” الفيلم وهوية مبدعيه، وكأنه لا يحقّ لإيراني مسلم منفتح أن يقدّم بعض السيرة النبوية في فيلم.. لقد ذهب بعض “النقاد” إلى ذكر المجوسية وعبادة النار (!!!) في توظيف سياسي صغير جداً جداً جداً.. 

إن الرسول الذي طالت رسالته كل الأمم قال في خطبة الوداع: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ”..

وبعد هذا القول الشريف.. هل إذا كان الفيلم إيرانياً.. فإن في ذلك “تهمة؟!!

فيلم محمد رسول الله، فيلم جيّد (حتى لا نتّهم بالمبالغة) جداً.. ودخولاً فوراً في صلب الموضوع النقدي الذي أعيد  الحكي فيه من باب “الرغي” السياسي لا أكثر ولا أبعد من ذلك.. لم يتجرأ على “تشخيص” الرسول طفلاً وليداً ثم وفتى ناشئاً، بل اكتفى بـ “طيف” شكل.. جانب من وجه أو يدين وقدمين وهيئة جسم، لدرء الذين يحرّمون “التشخيص”.. حتى هذه الزوايا لم تُسْكِت المنتقدين..

لم يتطرّق أي من “النقاد” إلى اداء الممثلين والممثلاث (الرائع) في معظمه، ولا إلى الكادرات ولا إلى الإضاءة ولا إلى النص الجميل ولا إلى المؤثرات البصرية ولا إلى الأزياء ولا إلى الماكياج ولا إلى الكاستينغ ولا إلى أي شيء يتعلّق بالفيلم كفيلم وكصناعة سينمائية “دينية تاريخية” واعدة..

وعودٌ إلى الجهة الثانية.. هي المرة الأولى التي يشعر كثيرون أنهم بدأوا حقاً، رحلة تعرّف حقيقية على الرسول العظيم، حامل مشروع عظيم غيّر مجرى التاريخ فعلاً.. رحلة فيها فضول، إعجاب وحبّ من نوع آخر..

ألا يستحق هذا الرجل- حامل الرسالة إلى العالمين- أن نرى حقيقته، ملامحه، تعابيره، ابتسامته، عبسته، أن نتنبّه إلى نبرته إن حكى وخطب، إن أَمَرَ بالمعروف أو نهى عن المنكر؟!

ألا يستحق حبيب الله محمد (ص) أن نتعرّف بالفن النبيل النظيف الخالي من التوظيف السياسي المقيت على مسيرته الإنسانية والاجتماعية والعسكرية والسياسية وكل ما يتعلّق به..

لقد تمكن مخرجون عظماء “فنياً” من فرانكو زيفيريللي ورائعته المجزّأة يسوع الناصري (رغم بعض التلميحات إلى تبرئة القتلة الحقيقيين من دم هذا الصدّيق) وصولاً إلى ميل غيبسون وتحفته “آلام المسيح” (وقد هوجم من اللوبي إياه) المتحكّم بعاصمة السينما العالمية- هوليود- وبمالياتها ومزاجها وشركات إنتاجها)، مروراً بآخرين.. قتمكنوا من تقريب السيد المسيح العظيم إلى قلوبنا وجداننا.. صارت قضيته قضيتنا وحقّه حقنا..

على فكرة.. إن هدف تقديم عمل عن الرسول الأعظم، سيد البشر أو ما شئتم من ألقاب تليق بمقامه الشريف، ما هو إلاّ لتقصير المسافة بين “المؤمن” وبين سيد المرسلين و.. زيادة تدريجية لجرعات الحب بين عبيد الله من رتبة “عبده ورسوله” المعصوم، إلى أي عبد مؤمن متدرّج من خوف السؤال إلى اليقين المبين، وجَسر الهوة بين من يشكّك بتفاصيل حياته وبين التسليم دون طرح أي سؤال والمضي في مسيرة غنمية ملجومة بالتشريع غير القابل للنقاش..  

وليس آخراً.. للفن الإيراني أن يعتزّ -وكثيراً- بالفيلم الذي أثار حين عرضه (2015) كما عند إعادة عرضه (مؤخراً وفي ذكرى ولادة الرسول محمد بن عبد الله (ص)).. فقد كانت المرة الأولى في تاريخ السينما العربية والإسلامية بل والعالمية أيضاً التي يتمّ فيه إنتاج فيلم سينمائي ضخم وسخي، “يجرؤ” على تقريب النبي الأكرم الى أتباعه.. أتباع دينه الذين كانوا لا يعرفون عنه إلا ثلاثاً: أنه فقير يتيم مسكين معدم، مزواج محبّ للنساء وداعٍ إلى قتل وذبح، يفتي بقطع أعناق من لا يجارونه.. ولا تشهر سيرته ومسيرته إلا بعكس ذلك.. وبانتظار استكمال المسيرة الشريفة في أجزاء سينمائية تالية..

الصور عن الانترنت..

التعليقات