مجّمع الشيطان: من جابوتنسكي.. إلى الضابط الصهيوني هوكشتاين

كتبت الباحثة أ. ميرنا لحود

متابعة: هلا حداد 

إخراج #garabettahmajian

من جابوتنسكي إلى مكزيستاف (مناحم ببيغن من روسيا البيضاء)، ويزرنتيسكي (إسحق شامير من بولندا) مروراً بـ شيرنيرمان (آريال شارون من بولندا) وميليكوفسكي أي الشيطنياهو (من بولندا) حتى بن كفير وسمترتش فأبرامز وصولاً للضابط الصهيوني هوكشتاين.
مهمٌ وضروري جداً معرفة بعض الوقائع الأساسية لفهم مشهد الإبادة والدمار الممنهج المتوحش والمتعمّد للصهاينة في حربهم ضد الشعب الفلسطيني أولاً، وكل من يقف في وجه مشروعهم الاستعماري مثل المقاومة في لبنان وكل محورها.

إنَّ معرفة العدو تسهّل قراءة المشهد الدائر والمعقّد ويرفع من منسوب الوعي كي لا يُبنى على تحليلاتٍ مضلّلة في معركة حاسمة لا تَرَف للوقت فيها.

••••••••••••••

تعود فكرة الصهيونية إلى عهد أوليفر كرومويل وهي أنجلوسكسونية، متشبعة بالعقائد الدينية.

لقد أخذ تيودور هرتزل بنصائح قسيسٍ بروتستانتي وباعتبارات روحانية كان يؤمن بها الأخير وبمفرده ويصفها بالنبوءات،

أُدخلت آياتٌ توراتية لتعزيز وإلباس الفكرة بالطابع الروحاني وبذلك تتأثر الآذان وتتعمق الفكرة في الذهن كما لو أنَّ الأمرَ طبيعيٌ. فمع هرتزل انتقلت فكرة “موطن لليهود” إلى “دولة لليهود”، ويُظهر الواقع بأنَّ لا علاقة لليهود التلمود بأرض فلسطين لا من قريب ولا من بعيد، فكل الدراسات والأبحاث لم تعطِ دليلاً واحداً لإثبات الصلة ما بين مافية الصهاينة التلمود والإرث المُطالب به لأرض مهمة تاريخياً وجغرافياً وثقافياً، بالإضافة إلى أنَّها تشكل في الجيوسياسي محطةً بالغة الأهمية للأطماع الغربية والصهيونية فتُعتبر الامتداد للمصالح الأنجلوسكسونية.

من هو جابوتنسكي؟
ولد جابوتنسكي في أوديسا عام 1880 من عائلة متواضعة وتعلّم في أوديسا. كان ميالاً للّغات والآداب، ما ساعده ليصبح صحافياً ومترجماً وكاتباً مؤثراً. في عام 1898، سافر إلى إيطاليا ليدرس القانون والتاريخ فترة ثلاث سنوات. ومن خلال قراءاته تأثر برجال التاريخ الإيطاليين مثل غاريبالدي ومازيني اللذين كانا لا يخافان التعاقد مع الشيطان مقابل تحقيق وحدة إيطاليا. خالط جابوتنسكي عالم الفاشيين ومن بينهم ماكسيم قوركي من أعضاء “شرطة أوكرانا” التابعة “للتسار” والذي كان يتردد إلى جزيرة كابري الإيطالية الجامعة لمجموعة اتصفت بالفاشية مع مرور الوقت مثل لينين وفيليبو توماسو مارينتي وألدوس هوكسلي وغيرهم من أصحاب النظرية المستقبلية لـ “مجتمع دون الله والإنسان مجرد حيوان لا يحب الإنسانية”. فبعدها عاد جابوتنسكي إلى روسيا وخالط أشخاصاً كالصهيوني الروسي سيرغي زوباتوف.

ففي عام 1914، وضع جابوتنسكي نفسه في خدمة القوى العظمى مثل فرنسا وبريطانيا لأنّه أدرك أنَّ إنشاء “دولة يهودية” تحتاج إلى مساندة من الإمبراطوريات. ولجأ إلى البارون روتشيلد لتأسيس فيلق لليهود أو الرابطة اليهودية لتنخرط في جيش المملكة البريطانية مقابل الحصول على دعمٍ لتحقيق الحلم المنشود بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين. وفي عام 1921، أصبح جابوتنسكي عضواً في المجلس التنفيذي للحركة الصهيونية، إلاَّ أنّه اصطدم مع بن غوريون حول مسألة الأمن لليهود. كان الأول يريد المساعدة من الدول العظمى والآخر كان لديه اعتقادٌ بأن في استطاعة اليهود تأمين الأمن بمفردهم وهو أمرٌ صعبٌ ومستحيلٌ حتى يومنا. إنَّ الفرْق بين الشخصيتين يتركّز على الخِبرة والحنكة التي يمكن تلخيصها على الشكل التالي: الأول صاحب إجرامٍ مبيّنٍ والثاني مجرمٌ مبطّن.

نشبت خلافات بين بن غوريون (دافيد غرين بولندي الأصل) وجابوتنسكي إلى أنْ أصبحت يومية وكانت المواجهات بين الهستدروت وجماعة جابوتنسكي تتخذ منحاً تصاعدياً من العنف والتوتر. وبتاريخ 15 آب/ أغسطس 1929،

خرج 300 شخصٍ من البيتار متوجهين إلى القدس في اتجاه المبكى هاتفين ” الجدار (أي المبكى) لنا” وكان الهدف استفزاز القوات البريطانية التي كانت تسيطر على فلسطين في تلك الفترة. فأدى ذلك إلى تصادمٍ بين الصهاينة والفلسطينيين وكانت الحصيلة 133 قتيلاً يهودياً، أمّا الفلسطينيون فخسروا 120 من رجالهم.

لجأ جابوتنسكي إلى إنشاء منظمة وطنية للعمال وفي هذه الأجواء اغتيل رئيس حزب ماباي آنذاك نعيم آرلوزوروف وأوضحت التحقيقات وجود دورٍ لمنظمة بريت هبيريونيم (تحالف اللصوص وكان والد النتنياهو ينتمي إليها) ومنظمة البيتار. وحاول كلٌ من دايفيد غرين (بن غوريون) وجابونتسكي التوصل إلى حلٍ يبعد الحرب الأهلية بسبب خلافاتهما إلاَّ أنَّ ميكيزيستاف (مناحم ببيغن) عارض بشدة هذا التلاقي وكان عضواً في إدارة البيتار. فأسس حزبه الخاص الحيروت عام 1948 وكان عضواً في الأرغون وعضواً فيما بعد في الليكود. وعندما استلم إدارة البيتار كان اللباس خلال الاجتماعات قميصاً يحاكي اللون الذي استخدمه هتلر ويَختتم اللقاءات بالتحية النازية.

بين جابوتنسكي وموسوليني
إن الاستياء من الأداء البريطاني دفع جابوتنسكي إلى التعاقد مع موسوليني لتأسيس مدرسة للتدريب القتالي الفاشي منذ عام 1930.

شاركت مجموعات من البيتار في المدرسة البحرية في مدينة تشيفيتافيكيا الإيطالية ما بين 1934 و 1938. كانت آنذاك دولة موسوليني الفاشية تسيطر على المدرسة من خلال وزارة البحرية والوزارة الخارجية الإيطالية والوثائق المتوفرة في الوزارة تشير إلى علاقة متينة بين الرجلين.

••••••••••••••

التعاقد مع الشيطان
كان لجابوتنسكي تكتيكات جهنمية لحث اليهود التلمود على التجمع ضمن تكتل ليتم ترحيلهم إلى فلسطين بصورة أسرع. لقد تعاقد مع الدكتاتوري سيمون بيلتورا رئيس أوكرانيا الذي كان ينفذ إبادات جماعية ومن بينها ضد اليهود وبمعرفة جابوتنسكي لزرع الرعب في قلوب اليهود وحثّهم على الانضمام إلى المكتب أو الرابطة اليهودية. لقد قُتِل ما بين 1917 و1920 أربعون ألف يهودي، ما أفضى إلى استنفار الحركة الصهيونية موجهة دعوة لمساءلة الأخير عام 1923، إلاَّ أنّه تجاهل الأمر وترك الحركة وتحوّل إلى وجهةٍ أخرى. ففي نهاية العام، أسّس في ريغا عاصمة لاتفيا منظمة “البيتار” (حركة شبابية صهيونية من أقدم الحركات شبه العسكرية) وعشية الحرب العالمية الثانية كان عدد الشباب في هذه المنظمة الإرهابية قد وصل إلى 80000 من بينهم 40000 من بولندا. أما “تاغار” فهي فصيلة تابعة للبيتار أُنشئت بهدف الدفاع الذاتي للطلاب اليهود.

في عام 1925، أسس جابوتنسكي الصهيونية التصحيحية التي تهدف إلى إنشاء “دولة يهودية” على أرض فلسطين. فكان لا بد من تأسيس مجمع يهودي يتعهد بترحيل إلى فلسطين. كما أسس أيضاً منظمة الأرجون الأكثر توحشاً وتطرفاً من الصهيونية التصحيحية. واعتمد جابوتنسكي على مجموعة تفوقه في العنف ومدرَّبة على القتل للمؤسس الروسي آبا آهيمئير (الداعم للنازية) مع أوري زيفي غرينبرغ ويهوشوعا ييفين تُدعى “بريت هبيريونيم” المعروفة بمجموعة من اللصوص الخارجين عن القانون. ومن الذين كانوا ينتمون إلى هذه المجموعة بن زيون و(ليس بن صهيون) ميليكوفسكي من أصولٍ بولندية الملقب بنتنياهو وهو والد بنيامين ميليكوفسكي نتنياهو رئيس وزراء العدو الحالي. واشتهرت تلك المنظمة بدعمها العلني للنازية آخذةً بأفكارهم وبتنفيذها حتى ضد اليهود الداعمين للسلام. وأصبح بن زيون ميليكوفسكي أي نتنياهو سكرتير جابوتنسكي الخاص.

من الإرهاب إلى دولة الإرهاب
أدّت الخلافات في نهاية المطاف إلى انقسام: فالتحق قسمٌ بالهاغانا (مجموعة دفاعية تابعة لماباي) وقسم آخر أكثر تشدداً وراديكاليةً من الأرجون بقيادة ديفيد رازيال وأفرام شتارن المندفعين بعنف يصعب تخيّله. ومن أشد الأشخاص قسوةً وإكراهاً في مجموعة شتارن كان يزرنتيسكي المعروف بشامير الموصوف والمصنف من قبل القوات البريطانية من أخطر الأشخاص وأشدّهم إرهاباً.

بعد القيام بمجزرة دير ياسين، في أيار من 1948، أعلن دافيد غرين أي بن غوريون (زعيم عصابة الهاغانا وماباي ورئيس مجلس إدارة الوكالة اليهودية) دولة الاحتلال من طرفٍ واحد، ما يعني أنَّ الأمم المتحدة لم تعلن دولة الكيان لكنها وبموجب القرار 273 قبلت عضوية الكيان لكن شرط ومقابل احترام والتقيّد بالقرارات الأممية وفي وقتها: القرارين 181 و194. ووقّع شرتوك المعروف بموشيه شاريت من الأصول الأوكرانية الذي كان حينها وزيراً للخارجية. لم يحترم الكيان المؤقت قراراً واحداً من 229 قراراً. لا بل أعلن مؤخراً مندوب بيت العنكبوت بأنَّ الأمم المتحدة “منظمة إرهابية” ويجب إزالة المبنى عن وجه الأرض”.

أماَّ وزير منصة إكس إسرائيل كاتس المعين الجديد خلفاً لغالانت وزيراً للدفاع، غرّد بأنَّ أنطونيو غوتيريش أمين عام الأمم المتحدة إنسان غير مرحب به ومنظمة الأمم المتحدة تشجع على الإرهاب، إضافةً إلى تمزيق ميثاق الأمم المتحدة. ألا يستدعي كل ذلك تعليق عضوية الكيان في تلك المؤسسة الأممية؟

ملاحظة: أصرَّ الجنرال شارل ديغول على إيجاد قانونٍ دولي تحتكم إليه البلدان. فكان يستشعر بأنَّ الأنجلوسكسونية المتمثلة بالأميركي (روزفلت) والبريطاني (تشرشل) ستطبق قوانينها، فلم يكن ديغول يثق بها. وكل من وضع توقيعه على ميثاق الأمم المتحدة فعليه الالتزام بالقرارات. ورأينا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، كيف حلَّ مكان القانون الدولي مرةً الناتو ومرةً المنظمات غير الحكومية… إلى أنْ أعاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تفعيل احترام ميثاق الأمم المتحدة حول جزيرة القرم التي استعادها وفقاً للقانون الدُولي قائلاً للأنجلوسكسونية لم تحترمي القانون، فما هو لي أستعيده.

من إيليوت آبرامز إلى ميليكوفسكي فهوكشتاين
ينتمي إيليوت أبرامز إلى الصهيونية التصحيحية لجابوتنسكي. عُرف بإجرامه في أميركا اللاتينية وعمل في فترة 2006 و2007 مع ليز ديك تشيني (ابنة نائب الرئيس ديك تشيني) في مؤسسة متعددة القطاعات لإدارة بوش تحديداً في جناح السياسات والعمليات المتعلقة بسوريا والإشراف على تقديم المساعدات للمعارضة الإيرانية أينما صادف تواجدها وبميزانية بغاية السرية.
وموّل أبرامز وفقاً “لصحيفة هآرتس” من خلال صندوق “تكفاه” حملة ميليكوفسكي أي نتنياهو وحلفائه من بن كفير إلى سموترتش (التابعين لمارتن ديفيد المعروف بمائير كاهانا الحاخام، صاحب مشروع إسرائيل دون عرب وكان عضواً في البيتار ومؤسس بني عكيفا و”كاخ” العصابتين بلا حدود) للاستيلاء على السلطة في الكيان والقضاء على القانون، فخلافاً لما يسّوق له البعض إنَّ ميليكوفسكي، أي نتنياهو، مسؤولٌ عن العصابة الداخلية للكيان وليس بمقيد بين بن كفير وسمترتش المتطرفين.

وفي 26 من سبتمبر 2024، في الجمعية العامة للأمم المتحدة أي لحظة اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، عملت المجموعة التي جمعت الرئيسين الفرنسي والأميركي والوزير الذي عمل في جمعية أبرامز بنيامين حداد وهوكشتاين وأعضاء من الناتو على المطالبة بوقف إطلاق النار ليتبيّن أنّها حجةٌ اتخذت لإعطاء الوقت اللازم لميليكوفسكي أي نتنياهو في اغتيال سماحة السيد. أجمعوا على التصفية ظناً منهم بأنَّ الانتهاء من حزب الله مسألة شخصية وقيادات رغم القيمة والرمزية والمكانة التي يتمتعون بها. ويلٌ لأمة تحكمها الصبية والأغبياء أصحاب السخافة والسفالة والدعارة العالمية الخطرة على الإنسانية.

بعضٌ من عقائد جابوتنسكي:
تحقيق الوطنية اليهودية على أرض فلسطين بالقوة المصطحبة بالعنف وإنشاء دولة قتالية قابلة للتوسع.
إن القتل في نظر جابوتنسكي عمل إيجابي، وما يجب قتاله حتى القضاء عليه: الديمقراطية والعرب والإنكليز واليسار.
 يعيش في فلسطين عربٌ متجذرون في الأرض ومن الصعب طردهم إذاً لحماية اليهود لا بدَّ من إقامة “جدار من حديد”.
 على الشبيبة الصهيونية أنْ تكون أشدّ قسوةً
 الفاشية من خلال النار والماء. التعاقد مع الفاشيين أمرٌ لا مفرَّ منه، على سبيل المثال ولا الحصر “بريت هبيريونيم”.
 إنَّ الدم الصافي عرقياً يحفظ الوطنية، لذا نحتاج إلى أرضٍ تجمع عرقنا ويكون القرار للغلبة.

القواعد الداخلية لمنظمة البيتار
تأليه شخصية المؤسس واتباع سبع قواعد:

 احترام قوانين المنظمة والانصياع الأعمى للمسؤولين كما أنَّ الإنسان يصغي إلى ضميره.

 تحمل بطاقة البيتار عبارة “الصوت الأحادي”. واتُّخذت رمزية تلك البطاقة فيما بعد في منظمة الأرجون.
كتب جابوتنسكي: “عليَّ بناء هيكل جديد لإله الآلهة الذي يُدعى الشعب اليهودي”.

التعليقات