محطات في حياته.. جهاد أيوب: “قرّرت أن أكون أنا” ونحن من نصنع زمانَنا، هيبتَنا وقلةَ قيمتِنا

قدّمت وسألت: حنان فضل الله

لا جرأة تعلو صوتَ نقدِه.. قاسٍ، بِه تلميحات إعجاب.. لطيف به تنبيهات.. إلا أنه لم يكتب سطراً فيه مرة ولا باح برأي، إلا وكان إعلاءً لأمرٍ حقّ..

هو جهاد أيوب.. الناقد، الصحافي، الكاتب، الأديب، الرسام وأحلى أوصافه: الوفيّ..

الوفي لأصول المهنة وشهامة أخلاقها.. هو “ناس الطيبين” في رجل لم تعرف يوماً عنه إلا طيب السمعة وشرف الاحتراف..

هو سيّد في مجالاته كافة.. وأنقى ما فيه: علاقته المشعّة صفاءً وحباً وشغفاً واعترافاً بنجمة النجمات وحلوة الحلوات السيدة صباح..

جهاد أيوب ليس واحداً.. بل كلّ في واحد.. من ذهب..

ثمّ.. أليست الحياة كلها مراحل ومحطات.. فلنقرأها معه..

وعن المحطات المراحل.. يقول:

المحطة صفعة ومدرسة، وإذا لم نفهمها يعني أضعنا التجربة.. وإذا لم نتعلّم منها يعني لن نتعلم أبداً، ودليل آخر على غبائنا وغرورنا وهبلنا، وبأننا نعيش على نظام البركة!!
ولكل محطة في حياتي كنزها، ومدرستها، أحياناً اتحمل فشلها لأنني مؤمن بذاتي وبجهود الآخرين، فلا أهتم بالتفاصيل الساذجة، وهؤلاء أصحاب السذاجة، ينتشرون كالفيروس، ويلعبون بالتفاصيل الساذجة، فيعيقون تقدمي، وكثيراً أجد غيري يعرقل مشوار محطتي بسبب الغيرة والحقد، وولدنات صبيانية، وضريبة النجاح مع أن العمل معي وبالنسبة لي هو متعة.. أنا قطار أسير ولا ألتفت إلى الخلف، لا أُشغل بالي بتفاهاتهم، ولكن اليوم بعد هذه التجربة، وهذا العمر أتألم فكرياً، وأتوجع روحياً من هكذا همجية فارغة، وأعود إلى نعمة التطنيش.. التطنيش أهم علاج في كل مفاصل الحياة!
وأسأله:
حدثني عن محطة الإعلام، وبدايات العلاقة معه؟
– الإعلام غايتي، والنقد شغفي، منذ الصغر وأنا أعطي رأياً دون أن يطلب مني، أراقب، أرسم، أسجل بصرياً ولفظياً. في البداية اُعجب من حولي بشخصي، وحينما بلغت اعتبروني متطفلاً، والأكثر زناخة مع أن شخصيتي محبّبة لوضوحها.. ولم يوجّهني أحد إلى الإعلام، فأهلي أرادوا لي الطب، ودرست في أميركا إدارة طبية، ومع ذلك كنت أكتب وأراسل بعض الصحف والمجلات اللبنانية.
وبما أن الإعلام جُبلَ بي، وضعت ما يُطلب مني جانباً وقررت أن أكون أنا.. دخلت في مجال الكتابة النقدية مباشرة ومن ثم الحوار دون أي تدريس، ووجدتُ الصدى الرائع فتتلمذت أكاديمياً، ومن ثم سبقت الأكاديمية، وتخرجت من تجارب زملاء كبار منهم رياض شرارة، وعلي الزين، وغسان تويني، وأكثر من استفدت منه هو الكبير مهنياً وأخلاقياً الراحل درويش برجاوي في جريدة “القبس” الكويتية، وهذه الجريدة كانت في حينه مدرسة..
من المستحيل أن تتخرج إعلامياً صحافياً من الجامعات بل أهم الشهادات ستحصل عليها من تجارب من سبقك، وهنا المدرسة الحقيقية…
كل يوم في العمل الإعلامي تتعلم الدروس الجديدة في الإعلام، ومن يقول بأنه وصل، يعني انتهى دوره منذ مدة، ولا يجد من يعيره أي اهتمام فيُذكر الناس بأنه موجود، ولكن الإعلام رفضه…هؤلاء كثر!

لكلٍّ.. زمنه الذهبي

لكل عامل في الشأن العام، وخصوصاً الإعلام زمنه الذهبي؟ ماذا عن زمنك الذهبي؟ متى كان؟
–  ما دمت أكتب بجرأة واتزان وموضوعية إذاً أنا هو الزمن الذهبي..لا يعني لي زمن غيري إلا بمقدار الاستفادة منه والتقدير له.. نحن نصنع زماننا ومستوانا وقلة هيبتنا!!
الإعلام اليوم اختلف من حيث الوظيفة والجهات المسؤولة، أقصد لا وظائف متاحة كما السابق، واستطاع جيلي أن يحصد النجاح في حينه، والقلة استمر اسمهم وحضورهم .. الإعلامي الحقيقي مع الزمن يصبح مدرسة ومؤثراً وقيمة أحببته أو لم تحبه!
والجهات المعنية والمسؤولة عن الإعلام العربي اليوم لا تفقه بالإعلام بل غاياتها تجارية استهلاكية، لذلك إعلامنا من غير هوية ولا انتماء وطني فيه، ولم يعد الوطن قضيته، وشريك في إلغاء الأمن القومي، فتاه في زواريب الفضيحة ليصبح مرتزقاً على أبواب السياسة الحمقاء، والمشاريع القاتلة!

الناقد

صفة الناقد التي تسبق اسمك غالباً.. متى كرّستك ناقداً قاسياً أحياناً كثيرة؟
– سؤالك فيه الالغام المشروعة، لكنني “قد” المسؤولية.. التجربة، السهر، العِلم، التخصص، المتابعة، الثقة، عدم إعطاء الرأي بما أجهل، وإعطاء الرأي بعد القراءة والاستماع والمشاهدة، وعدم البوح جراء “قالوا لي”، واحترام مهنيتي، وأن ضوابط الإبداع تحتاج إلى متابعة.. كل هذا فرض وجودي النقدي باقتدار، وجعل بعضهم يخاف من صدق نقدي، وقسوة وضوح الإشارة إلى الخلل خارج المجاملة، والذي ساعد في أن يُشترى النقد عربياً عكس من يدعي النقد والإعلام وهم كثر أن زمن الكبار قد ولى، وزمن الصغار ينتشر!
أقصد التجربة النقدية غير المدفوعة بالدولار، وغير المسيّسة وتابعة لشركات إنتاج قليلة رغم وجود صيصان الفن والعمل فيه، ويدفعون حتى التخمة، وبعضنا يبيع صوته بدولار يا عيب الشوم !
وهل للناقد دوره وسط المعمعة؟
– نعم رغم هذا القحط في كل مفاصلنا إلا أن النقد المُتابع، والبعيد عن التنظير( يوجد نقد غير مفهوم يعتمد على عِقَد الناقد الأكاديمي المجند بلغة جافة، وهذا لا يتابع، وهجرته الحقيقة.. ويوجد نقد أكاديمي مبسط، ويعمل على أن يتواصل مع الناس ومع المقصود وهذا اسلوب كرسته ولا زلت اتابعه) النقد نجده مؤثراً خصوصاً عند الفنان المثقف الواثق والباحث، أما دخلاء الفن والثقافة فلا يعنيهم النقد بل يبحثون عن المديح الرخيص، لذلك يتوهون بعد سنوات عجاف لأن المهم في وجودهم مرحلة سريعة الافول، والنقد كان وسيبقى مع اختلاف تأثيره!
 إلى أي مدى يؤثر النقد حيث الوضع يشبه “حارة كل مين إيدو إلو”؟
–  اسئلتك واقعية، وهذا ما يحبه الناس.. الناقد مؤثر ولكن هل يوجد نقاد؟ هنا السؤال الأخطر.. استطاع صاحب المال الجاهل أن يتحكم بتفاصيلنا الإعلامية، واشترى غالبية الأقلام من أجل مشاريعه وأصحابه، ومن ينتقد يقطع رزقه، و”يُفنّش” من العمل، ويصرف نصف عمره باحثاً عن فرصة جديدة في ظل الشهوة الجنسية التي تتحكم باختيار الموظف والصحبة.. هنا يبدأ الناقد بهجرة النقد الذي جلب له الأمراض، وتربع المطبّل والمزمّر إلى أن خرج التواصل الاجتماعي أو “السوشال ميديا” لنكتشف أن كل العالم نقاد المرحلة!
ومع ذلك، الناقد الجدي والمؤثر يُنتظر ولا يَنتظر، وتجربتي أكبر برهان على صحة ما أقول.. الناس تتصل بي ولا أعرفهم، وحتى أهل الاختصاص يرسلون أعمالهم كي اعطي الرأي.. احياناً نصيب وأحياناً لا.. وأحمِد الخالق أنني متصالح جداً مع ذاتي وموهبتي، نعم النقد موهبة إذا لم تطورها تذوب وتنتهي!
ماذا بعد؟ بمعنى طموحك الفكري ككاتب ورسام وصحافي وناقد إلى أين يقودك؟ ألم تيأس؟
– هذا أنا، كل هذا التناقض الذي ذكرته، كل هذه الفوضى المنظمة، كل هذه الأصوات والصدى، كل هذا الضجيج.. هذا يقودني إلى جهاد أيوب الطفل الهرم الغبي المنتعش الموضوعي المغامر، ولكن لم اقامر بإسمي ووطني ووجودي.. واليأس رغم الغدر والخيانة والصفعات وساعات الطفر، وانقلاب الصورة من حولي لم يصلني بعد، ربما لأنني كلما كتبت صرخت انتقدت اعود إلى طفولتي.. أعود إلى الرحم، إلى الولادة من جديد..

لك كل تقديري..
– حاولت أن أكون أكثر شفافية وواقعية ووضوحاً كما أنا، ولا أريد أن أكذب في زمن الدجل والإعلام الخديعة وهنا لا نعمم.. أنا تحدثت عن أنا رغم ألغامك.. أتمنى أن أكون قد وفقت..
وما أحلاه جهاد أيوب حين يروح الحكي معه إلى السيدة صباح، حبيبة القلب والفكر.. ساكنة الوجدان ورفيقة الأعمار.. كل الأعمار..

يقول:
– حينما أرغب بالحديث عن السيدة صباح، أحتاج إلى ملفات وساعات.. تنسابُ قصصها وأفضالها كما المطر الدائم، وكي أختصر أقول أنني تعرفت عليها بعمر ٧ سنوات، وحضنتني، وكبرت وهي تبادر بالسؤال، واحتجتها حينما كنت أتخصص في أميركا فدفعت المال مبتسمة، ووقفت معي دون أن تربح الجميل، وافتتحت كل معارضي التشكيلية وحفلات توقيع كتبي مع شراء ومساعدة مالية لا تصدق في حينه، يعني صباح دفعت ثمن كتابي “اطلال مغتصبة” في حفل التوقيع ١٥ ألف دولار.. ويومها كنت امر في ظروف خانقة…

من منا لا يعشق، يحب، يحترم، يقدر صباح حتى لو لم يتابعها.. السيدة صباح ترافقت مع أجيال من جدّك، ووالدك، ووالدتك، وأنت ومن ثم أولادك إلى أولاد أولادك…
بدأت بالسابعة على مسارح لبنان، وانطلقت إلى النجومية الأوسع في سن ١٤ إلى أن حملت جبال السنين خلفها ومشت، أقصد حوالي ٨ أجيال رافقتهم الأسطورة من قبل وبعد استقلال الدول العربية إلى إحتلال فلسطين، ومن ثم احتلال النفوس إلى النهضة الفنية والثقافية العربية إلى الحروب الأهلية، إلى المقاومة وحروبها وانتصاراتها على إسرائيل، إلى إحتلال العرب إلى العرب، إلى الثورات الكاذبة.. هذا كله شكل تراكماتنا معها، أقصد صباح في سيرتها يعني سيرة مراحل حساسة مضيئة وخلافية ومعتمة في الوجود العربي، ومع ذلك كانت هي ربيعنا وفرحنا وبصمة في تاريخنا المؤسس.. من هنا تأتي أهمية صباح، وتعلقنا بها أصبح مبرراً!
ولا بدّ من إضاءات على جوانب في حياة ست الكل:
– صباح هي فن المغامرة في الجمود العربي على أكثر من صعيد…في الغناء قدمت نوعاً وليس لوناً كان مفقوداً في المكتبة العربية، فحضرت صباح لتثبته بشخصها وموهبتها ومغامراتها الفنية الحياتية الجدلية (ثالوث لا ينفصل عن صباح)، وتنبّهت الأنظمة المصرية الملكية وما بعدها في ثورة ناصر، والسادات، والنظام اللبناني إلى علاقة صباح بالجمهور وتأثيرها به، فتم تمرير رسائل تعبيرية تغيرية تصل في تطوير أو لفت نظر مجتمعاتها، فكانت أول وجه مصري يطل عبر اول إطلالات التلفزيون المصري، وصوت ثورة جمال إلى جانب حليم، والأكثر انتشاراً عربياً لجمع المال للمجهود الحربي المصري، والنجمة الأولى للوحدة، وصوت لبنان الاغترابي، وصوت السياحة اللبنانية، وصوت الوطن والفرح والاناقة والمهرجانات الدولية، والتجريب بفنها كلما لاحت فكرة جديدة عند ملحن شاعر مؤلف ومصمم أزياء…
 وعن صباح النجمة وصباح الإنسانة يقول:
–  صباح الإنسانة لا تنفصل عن صباح النجمة، لذلك هي متصالحة مع صباح الوجود، ونحن تصالحنا مع صباح الأسطورة.. واستمر التواصل رغم اختلاف الظروف إلى أن نطقت تسأل عن إسمي قبل رحيلها بربع ساعة..  وهذا دليل على قيمتها في المحافظة على صداقاتها والإنسان فيها.
 ماذا أخذت معها منك؟
 – أخذت مني!!! لا شيء، صباح كانت تعطينا، ولم تكن بحاجة لنا، هي شمس في الكرم، في النصيحة، في لفت النظر وإرشادنا، وفي المواقف.. هي قبس المحبة والسعادة!
..وماذا بقي منها معك، وفيك؟
– كانت هي الخير والبركة، اليوم أبحث عنهما في داخلي ومن حولي لأجد بقايا زرعتها فينا!

بقي من صباح معي صباح البصمة الحلم، الصوت والأغنية بكل فصولها.. وبقي بداخلي ذاك الشموخ، وعدم التنازل والتطنيش، وكيفية المواجهة، ودروس في الحياة والإعلام والنقد والتواصل مع الفنانين.. كلها تعلمتها من جامعات صباح…ولا تنسي أن صباح اشتغلت كصحافية، وقلة قليلة تعرف ذلك!

التعليقات