السيطرة الأميركية على النفط في العالم العربي (الجزء الأول)

كتبت الباحثة الأستاذة ميرنا لحود

متابعة: هلا حداد

صورة الغلاف والإخراج: #garabettahmajian

حرب 1973 بين العرب وكيان العدو

خلال حرب 1973 بين العدو الصهيوني والعرب، كانت الولايات المتحدة تصارع منظمة البلدان العربية المصدرة للنفط (OPAEP)، وفرضت OPEP عقوباتها على البنتاغون نظراً لمساندة الأخير لجيش الكيان الصهيوني بوضع حدٍ لإنتاج النفط، ما أدى إلى رفع أسعاره بأربعة أضعاف لفترة ستة أشهرٍ. وفرضت البلدان العربية المنتجة للنفط على الكيان التراجع من الأراضي التي احتلّها خلال هذه الحرب. واستعادت هذه البلدان استقلاليتها على إنتاجها النفطي بعدما خسرت الشركات النفطية الأنجلوسكسونية سيطرتها على القطاع في تلك البلدان وتعد الضربة قاسيةً لما شكلّته من أزمة على الاقتصاد والإنتاج للبلدان المسيطرة على العالم.

أميركا تعيد النظر في عقيدة الطاقة
بدأ بشكل حثيث الحديث، في الكونغرس الأميركي والإعلام، عن ملف النفط ليظهر فيما بعد بأنَّ كيسنجر وزير الخارجية حينها كان وراء هذه الموجة في محاولة منه للتأثير على الرأي العام. وكتب في ذلك الوقتRobert Tucker في زاوية Commentary في المجلة الصهيونية (revue de l’American Jewish committee) “في حال حصار نفطي جديد،  فإنَّ الاقتصاد الأميركي سيتأذى بشكل كبير قبل أن تتخذ الأمم المتحدة قراراً بالحلّ ويتحتّم على البنتاغون التدخل العسكري الضروري. وصرّح هنري كيسنجر في تلك الفترة قائلاً “إنَّه من غير الممكن استخدام القوة في وجه ما أسماه الكارتل النفطي إذا فرضوا حصاراً جديداً لكن سنستخدم طرقاً أخرى إذا تضررت الصناعات من جراء التضيِّق النفطي”. وكتب أحدهم بصفته Miles Ignotus (ما يعني الجندي المجهول) في Harper’s رامياً بالنصيحة التالية “لماذا لا نسيطر على النفط العربي؟ ما يجعلنا نتفادى الحصار وبهذه الطريقة نُؤَمِّنُ على عدم تعطيل الاقتصاد الأميركي”.

إنَّ الذي يختبئ وراء الجندي المجهول يدعى Edward Luttwak الذي يجر وراءه بما يُسمى بالجاكسونيين نسبةً لجاكسون (الرئيس الأميركي الذي فرض على السكان الأصليين النزوح إلى مخيماتٍ مخصصة لهم). وفي نهاية المطاف طالب Lee Hamilton (الذي ترأس فيما بعد ولفترة 28 عاماً لجنة التحقيق حول الحادي عشر من سبتمبر وملف Iraq Study Group) بتقريرٍ للكونغرس الأميركي: “حقول النفط كأهداف عسكرية، وإمكانية الدراسة”. ويخلص الرجل إلى أنَّ التدخل العسكري في الشرق الأوسط خطوةٌ مشروعة ومُبرّرة بحجة دفاع استباقي في الوقت الذي يظهر أي شكل من أشكال التهديد”. لكن هذا التدخل لا يمكنه أنْ يتمَّ إلاَّ مع التأكد من عدم دخول الاتحاد السوفياتي على الخط أو عدم تدخله.

الملك السعودي فيصل الثاني ودوره في عملية حظر النفط
لقد لعب الملك فيصل الثاني دوراً بارزاً في حظر النفط، لكن في عام 1975، تمَّ اغتيال الملك على يد أحد افراد العائلة، وهو من المدمنين على الكحول استخدمته ال سي آي أي للعملية. وخيّم حينها على المملكة شبحٌ أسود وأُعدم منفذ الاغتيال. ومنذ تلك اللحظة رفعت السعودية سياسة العداء للكيان إرضاءً لحلفائها.

أمّا معمر القذافي المدعوم من ياسر عرفات والجزائري عبر العزيز بوتفليقة تولّى وقتها عملية تُصنَّف بالمذهلة والتي حصلت في 21 كانون الأول/ ديسمبر من عام 1975، بقيادة Illich Ramirez Sanchez المعروف بكارلوس واحتجز Johannes Weinrich وزراء منظمة OPEP المجتمعين في فيينا بهدف إجبار أعضاء المنظمة على تخصيص عائدات النفط الجديد لتحرير الشعوب المضطهدة وفي سبيل التنمية الاقتصادية في العالم الثالث. لكنَّ علاقات بعض أعضاء الكارتل مع واشنطن حالت دون استمرارية سياسة المساندة.

كارتر والسياسة التخريبية
اتّهم كارتر OPEP بكونها المتسبب بالفوضى في الاقتصاد العالمي معلناً إياها كأول عدو عام وكان ذلك وفقاً لضغوطات ونصائح مستشاره للشؤون الداخلية Stuart Eizenstat. وفي خطابه حول الاتحاد في 23 كانون الثاني/ يناير من عام 1980، أعلن وبصريح العبارة عن خارطة الطريق لعقيدته: “ليكن موقفنا معلوماً وواضحاً للجميع: كل محاولة خارجية لبسط السيطرة على نفط الخليج الفارسي تُعدّ تعدياً في الصميم على المصالح الأميركية وسيستدعي ذلك استخدماً لكافة الوسائل المناسبة، بما فيها القوة”.
وحاول كيسنجر تثبيت الاستقرار في منطقة الخليج مستنداً إلى ثقلين فيها : السعودية ( لكنها قادت الحظر) وإيران (لكن الشاه كان قد سقط). فاعتبر كارتر بأنّه “ لا يمكن لأحد أنْ يخدمنا كما نخدم أنفسنا”، لذا زوّد أميركا بقوة تدخلٍ سريع يمكنها وطء أرض الخليج عند الضرورة وبأسرع وقت ممكن. أمَّا خلفه رونالد ريغن فقد أعاد النظر في الخطة للدفاع عن أميركا وقرر إنشاء مركز قوة عسكرية للقيادة الوسطى والانتشار السريع في الخليج المعروف بـ Centcom.

التدخل العسكري: بين الصعوبات والتردد فالتصور الجهنمي
وبدأت التصورات لتجهيز خريطة تدخل لكن الصعوبات الجغرافية بدأت تظهر، فمراقبة الحقول النفطية تبدأ من المحيط الهندي مروراً برأس القارة الأفريقية ومن جهتها الغربية حتى بالخليج الفارسي فباكستان من الناحية الشرقية. لكنّ هناك تصوراً آخرَ للبروفسور برنارد لويس الذي يفيد بأنه: لا بدَّ من دمج البلدان الإسلامية بشكل واسع من مصر والسودان من جهة الغرب إلى الهند وأندونيسا من جهة الشرق وهذه عي عقيدة “أزمة الهلال”.

ويعني الهلال على الخريطة بالقوس لكنه يؤخذ بالمعنى السيّئ أي “الهلال الإسلامي”. ولمواجهة الاتحاد السوفياتي ووطنيي البلدان العربية يقترح لويس استخدام الحركات الإسلامية لصالح أميركا. فعلى الأخيرة الاستعانة بالإسلاميين لزعزعة الاستقرار في الاتحاد السوفياتي وفي آسيا وآسيا الوسطى. ولهذا السبب لقد تخلّت أميركا عن الشاه، وشاركت في تنظيم عودة السيد روح الله الخُميني إلى إيران ظناً أنَّه سيعمل لصالحهما. فعلى هذه القاعدة الجهنمية ارتكزت الـ سي آي أي ودربّت في صفوف الإسلاميين مرتزقة لمواجهة الجيش الأحمر في أفغانستان وأرست على جهاز تمويل للمتطرّفين الإسلاميين وقرّرت الولايات المتحدة استبعاد تركيا كونها عضواً في حلف الناتو، وكذلك استبعاد كيان العدو لأنَّ أيّ تلاقٍ أميركي صهيوني سيجعل البلدان الإسلامية تتوحد. وهذا ما أشار إليه Edward Luttwak في قوله “إنَّ الكيان لا يساعد أميركا على أي حلٍّ للأزمة فأُنشئ ليكون وجودُه الأزمةَ بحد ذاتها”.

فشل المشروع وسقوط الاتحاد السوفياتي
في نهاية الثمانينيات، لم يثمر هذا المشروع عن أي نتيجة وبخاصةٍ أنَّ إيران نجحت في ثورتها ولم تسيطر الولايات المتحدة على قرارها والسعودية ذهبت إلى تحالفات مع دُولٍ مثل بريطانيا وفرنسا والصين.

علاوةً على ذلك إنَّ انهيار الاتحاد السوفياتي سهلّ من إمكانية التدخل العسكري الأميركي في الخليج دون عقبات تُذكَر.

(يتبع)

 

التعليقات