كتبت: أ. ميرنا لحود
متابعة: هلا حداد
عرض استثنائي لرداء آلام السيد المسيح في منطقة أرجنتوي (Argenteuil) في ضواحي باريس من 18 أبريل/نيسان إلى 11 مايو / أيار 2025
رداء السيد المسيح في بازيليك القديس دوني (Saint Denys)
تختزن بازيليك القديس دوني رداء آلام السيد المسيح وهو من أهم الكنوز التي تحتفظ بها الكنسية وتحديداً الكنيسة في فرنسا. ويمتلك البلد هذا الكنز العظيم منذ أكثر من 1200 سنة.
يُطلق على الرداء تسمية “الرداء المقدس “وهو القميص المذكور في الأناجيل والذي كان يرتديه السيد المسيح عشية آلامه أي ليلة خميس الغسل ويوم آلامه أي على طريق الجلجلة حتى جلده ثمَّ صلبه. وأمام الصليب، أخذ الجنود ثياب يسوع وليجعلوها أربع حصصٍ ولكن اقترعوا على القميص فلم يشقّوه.
والقميص غير مخيطٍ وهو منسوجٌ كُلُّه من أعلاه إلى أسفله وفي غالب الظن يُعتقد أنّه من حياكة السيدة العذراء مريم التي نسجته لابنها، ووفقاً لما ذُكر في سفر تثنية الاشتراع في الفصل الثامن من الآية الرابعة “ثوبُكَ لم يُبلَ عليكَ ورجلكَ لم تَتَورَّمْ في هذه السِّنّين الأربعينَ”. ففي حلول سنة 800، أُهدي الرداء من الإمبراطورة القسطنطينية إيرين إلى شارلمان الذي كان يسعى لتوحيد وتماسك مملكته. ووهب شارلمان الرداء المقدس إلى ابنته تيوتراد التي كانت قيِّمَة على دير الراهبات في أرجنتوي.
ومع الوقت، تمَّ إخفاء الرداء في أحد جدران المكان، خوفاً من غزوات الفايكنج أي (النوردية القديمة) إلى أنْ عمَدَ أحد الكهنة إبّان الثورة الفرنسية، بهدف الحفاظ عليه، بتقسيمه إلى عدة أقسام ووضع الجزء الأكبر منه في الحديقة للكنيسة القديمة. وفي وقتٍ من الأوقات سُرق وعُثر عليه مجدداً، وفي بداية الثمانينيات تقّرر إصلاح الرداء المقدس… ويحمل الرداء المقدس علامات الآلام إضافةً إلى المخاطر التي مرَّ بها عبر السنين، وها هو اليوم محفوظٌ في صندوقٍ مُعدٍّ خصيصاً لهذه الذخيرة الغالية القدسية.
ويُعتبر العرضُ النادر فرصةً للمؤمنين أولاً لاكتشاف هذا الكنز الكبير والعظيم وفرصةً للسجود أمام آلام المسيح الذي بذل حياته من أجل خلاص العالم، وهذه الفرصة تجمع المؤمنين من كافة أنحاء العالم أمام سيرة آلام واحدة وخلاصٍ واحدٍ وإيمان واحدٍ، عاكسةً عظمةً واحدة لخالقٍ واحد وموحد.
رداء آلام السيد المسيح والتاريخ
نقرأ في الأناجيل عن الساعات الأخيرة للسيد المسيح الذي كان يرتدي هذا القميص ليلة العشاء السرّي مع تلاميذه أي ليلة تأسيس القداس الأول وتجسيد الذبيحة الإلهية. وبعدها انتقل السيد المسيح مع الرُسل إلى بستان الزيتون أو كرم الزيتون حيث أمضى وقتاً للصلاة والشعور بالكآبة التي كانت ترافقه إلى أنْ تصبب منه عرقاً مثل قطرات الدم. فكثّف الدعاء والخلوة تمهيداً لتحمّل الآلام ما يعني أنَّ الحياة مليئة بالصعوبات والتغلب عليها روحانياً وفكرياً يتطلّب شجاعة ورباطة جأش ومن غير الممكن الحصول عليهما بعيداً عن الدعاء والإيمان. استمرّ في المكان بضع ساعات إلى أنْ دخل يهوذا الذي سلّمه وبصحبة جمعٍ من أعداء المسيح. حُكم على المسيح بتهمة التجديف من قبل الكهنة آنذاك ومجمع السنهدرين. وسُلّم يسوع إلى الحاكم الروماني في وقتها بيلاطس البّنطي، فجُلِدَ وعُذِّبَ وأُهين وحُكم عليه بالصلب. وبعد الجلد وُضِعَ عليه القميص من جديد وسيق إلى درب الجلجلة حاملاً صليبه ما يعني أنَّ القميص تشبّع من عرقه ودمه.
يقول القديس يوحنا في إنجيله في الفصل التاسع من الآية 23 إلى الآية 24 ” وأمّا الجنود فبَعدَما صَلبوا يسوع أخذوا ثِيابَه وجَعَلوها أربَعَ حِصَصٍ، لِكُلِّ جُنديٍّ حِصَّة. وأخذوا القميصَ أيضاً وكان غير مخيطٍ، منْسوجاً كُلُّهُ من أعلاهُ إلى أسفلِه. فقال بَعضُهم لبعضٍ: “لا نشُقَّه بل نقترِعُ عليه، فَنَرى لِمنْ يكون”. فتمَّتِ الآية: اقتسموا ثِيابي، وعلى لِباسي اقترعوا” فهذا ما فَعَله الجنود”.
السيدة العذراء والقميص
هناك اعتقادٌ سائدٌ بأنَّ قميصَ الآلام غيرُ مخيطٍ وهو منسوجٌ من أعلاه إلى أسفله من العمل اليدوي للسيدة العذراء لذا نرى في واجهة مبنى البازيليك تمثالاً يُجسد السيدة العذراء وهي تُحيك الرداء. تعكس تلك الفكرة بأنَّ السيدة العذراء ربة منزل كان تهتم بالأمور المنزلية. ويشير الأمر هذا إلى أنَّ الشروط المتوفرة لنسج القميص متواضعة جداً كون القميص من جنس ولونٍ واحدٍ وطريقة النسج تعود إلى قرون قديمة لم تتوفر إلاَّ في منطقة المشرق العربي وأوائل القرن الميلادي. ومن المرجح أنْ تكون السيدة العذراء هي من شجعت للبحث عن الثوب وكل ما لامس جسد المسيح، ما دفع التلاميذ إلى جمع ما يعود للمسيح وأخفوا الصليب والمسامير وبحثوا عن القميص الذي انتقل فيما بعد من مكانٍ إلى آخر عبر الأجيال والتاريخ حتى وصل إلى الكنيسة لتحتفظ به وتكرمه لأنّه رمزٌ ثمينٌ.
بازيليك سان دوني
استمرّ بناء البازيليك من عام 1862 إلى عام 1865 تحت إشراف المهندس الرئيسي تيودور بالو الذي شيّد أيضاً بلدية باريس ومباني أخرى فاخرة وشهيرة. وتتخذ البازيليك، معمارياً، النمط الروماني الجديد، ويهدف الإنشاء ليكون مكاناً يُحتفظ فيه برداء المسيح. ففي عام 1854، قرّرت بلدية أرجنتوي إنشاء بازيليك مكان الكنيسة القديمة حيث كان الدير القديم للراهبات اللواتي كنَّ يحملن اسم “راهبات السيدة العذراء”. وكانت أرجنتوي منطقة الأديرة من رهبان وراهبات وجمعيات روحانية ليستمر الوضع كذلك حتى الثورة الفرنسية. لكن بسبب تعقيدات البناء مكان الكنيسة القديمة تمّ اختيار مكان المقابر القديمة التي بطُلَ استخدامُها منذ عام 1848. ونمط البناء مؤلفٌ من عقد أو قوسٍ مُدَعّم ويبلغ طول البازيليك 76 متراً بعرض 20 متراً لصحن الكنيسة. أمّا برج الجرس لواجهة المبنى فيرتفع إلى ٥٧ متراً ويضمّ أربعة أبراج. وأقدم الأجراس فيه يُدعى “ماري” يعودُ إلى القرن السادس عشر ويزن 3350 كلغ ويُسمع صوت الجرس بنُوته مخّففة تتصف بناظمة أوقات السكان بإيقاع يستحسنه الجميع. وتضم البازيليك عدداً من المصلّيات ومن بينها المصلّى المخّصص لرداء السيد المسيح الذي يُحتفظ به في صندوقٍ ولا يتمّ إخراجه منه إلاَّ خلال العرض الرسمي العلني. ويُستخدم لمناسبات العرض مجسّمٌ خاص منحوتٌ من البرونز، مطليٌّ ذهباً على الطراز الروماني البيزنطي وشكله مستوحى من شكل كنيسة “السيدة الكبيرة” في مدينة بواتييه في فرنسا. وارتفعت الكنيسة إلى مرتبة البازيليك عام 1898، وأُعيد وضع الزجاج الملوّن للنوافذ الخاصة بالكنائس ما بين 1950 و1960 التي كانت قد تدمرت بسبب الحرب.
خصائص ودراسات حول الرداء والكفن والمنديل
خضع رداء السيد المسيح، مثله مثل الكفن والمنديل الذي وُضع على وجه يسوع عندما وُضِعَ في القبر، إلى دراسات مع تقدّم التقنيات العلمية ويُعلم أيضاً أنَّه خلال القرون الوسطى كثُرت صناعة الأثواب للسيد المسيح وبات من الصعب تحديد صدقية المنسوج الذي يعود للسيد المسيح. ولكن منذ القرن التاسع عشر أُجريت دراسات وفق التقنيات الحديثة وجاءت النتائج على الشكل التالي:
1ـ إنَّ الرداء منسوجٌ من صوف الخروف وتأكد ذلك عام 1893.
2ـ والرداء مطليٌ باللون وفق الطريقة المشرقية التي تعودُ إلى فجر المسيحية.
3ـ والقميص منسوجٌ غير مخيطٍ من أعلاه إلى أسفله على الطريقة التقليدية البدائية وتأكد ذلك ما بين 1889 و1892.
4ـ وتعودُ طريقة النسج للرداء إلى النمط الذي كان سائداً في سوريا وفلسطين في القرن الأول ميلادياً.
5ـ والرداء ملطّخٌ بالدم وتمَّ التأكد من ذلك من 1892 حتى 1934.
6ـ وأثر علامات الدم على الظهر وعلى الأكتاف تماماً مكان حمل الصليب من قبل السيد المسيح وقت صعوده على طريق الجلجلة وتأكد ذلك ما بين 1932 و1934.
7ـ وفي عام 1986 فُحِصَ الدم الموجود على الرداء وهو من فئة AB.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ نفس فئة الدم والعلامات الأخرى السبعة متطابقة وموجودة على الرداء في فرنسا والكفن في إيطاليا والمنديل في أوفييدو في إسبانيا، ما يثير دهشةً وتساؤلاتٍ مثل الطبقة الغبارية الموجودة على الأقمشة الثلاثة ومصدر الأقمشة سوريا. وعلاوةً على ذلك، أُجري فَحصٌ دقيقٌ لمعرفة شخصية صاحب الرداء حتى أسفرت النتائج عن المعلومات الآتية: إنَّه رجل من فلسطين تألم بشكل كبيرٍ وقاسٍ ويعودُ إلى القرن الأول ميلادياً.
يحمل رداء يسوع آثار آلام التاريخ ومرور العصور، لقد تضرر كثيراً لكن الكنسية تحافظ عليه بعناية كبيرة. وخلال الغزوات والثورة الفرنسية وُضِع في أماكن باطنية كي لا يُعثر عليه ويُتلف، وفي الحقيقة لا أحد يعرف بأي وضعيةٍ أُخفي بعيداً عن الأيادي المخرّبة. ولم يُعثر عليه إلاَّ عند هَدْم جدار الدير التابع للرهبان إبّان الترميم، ومع الثورة الفرنسية كانت أماكن العبادة تتعرض للسلب والدمار، ما دفع كاهن الرعية آنذاك إلى تقسيم الرداء وإعطائه لمؤمنين صالحين ومخلصين للحفاظ على القسم الذي بين أيديهم ودُفن الجزء الأكبر منه في حديقة سكن الكاهن. وبعد مرور الثورة، عاد الكاهن إلى جمع أقسام الرداء إلاَّ أنَّه لم يجمع الرداء بكامله، وما نراه اليوم ما هو إلاَّ قسمٌ من الرداء. لذا يختلف الرداء عن الكفن حيث آثار الدم أكثر وضوحاً ورداء يسوع تضرّر تاريخياً ويميل لونه أكثر إلى السمار أو اللون البني. وفي عام ٢٠١٥، نُزع القميص الأبيض الذي كان قد وضع لترميمه وعرضه ليُستبدل باللون البنّي وعُرض عام ٢٠١٦ في عرض احتفالي استثنائي بعد مرور ٥٠ عاماً من آخر عرض حدث عام ١٩٨٤. وفي كل عرض للرداء المقدس الذي لمس جسد السيد المسيح يستقطب مجموعةً غفيرةً تأتي من كافة أرجاء فرنسا وخارجها.
العرض مناسبة روحانية ثمينة
يعرض هذا الثوب الثمين علنياً بحيث يُرى عن بعد في داخل البازيليك، والعرض فرصةٌ تفتح الباب أمام المؤمنين للتأمل بمسيرة آلام السيد المسيح والرسالة الغالية التي افتدى بها العالم وخلّص البشرية من الهلاك النفسي والجسدي. وترمز الآلام إلى الحياة المليئة بالصعوبات والاتحاد بالله يساعد المؤمن على تخطي المشاكل بطريقة مختلفة تماماً رغم اشتداد الظروف ويتفوق على الشر روحانياً وهو انتصارٌ كبيرٌ على إبليس وهي نعمة كبيرة أعطانا إياها الله من خلال ابنه المسيح المخلص. والتغلّب على الصعاب هو تحدٍ في كل مرةٍ، وكل مشكلة هي فرصةٌ للدخول إلى سرّ الرحمة الإلهية. ويعكس رداء المسيح الذي ارتوى من دمه، خلافاً للرداء الموجود في مدينة تريف في ألمانيا، (وفي غالب الظن أنه رداءٌ للرداء الذي تحتفظ به فرنسا، ويُعتقد أنَّ القديسة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين أرسلته إلى القديس الأسقف أغريتيوس في تريف (ألمانيا) آنذاك والمقر الأساسي للإمبراطورية الغربية) آلام الكنيسة التي تعبر طريق الجلجلة عبر القرون والسنوات وتتأوه لكن الأمل يبقى دائماً وأبداً لأنَّ “أبواب الجحيم لن تقوى على الكنسية” المتجذرة بالإيمان ولن تتخلى عن السيد المسيح وسوف تحفظ الوصية وتمشي على خطاه من درب جلجلة إلى آخرَ لتصل إلى برّ الثبات الروحاني.
رداء آلام المسيح ودرب الصليب التاريخي
عرف الرداء عبر التاريخ ظروفاً متقلّبة ومليئة بالمشاكل الروحانية وتعرّض لأخطار جمة ويُعتقد بأنَّ القديسة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين عثرت في القرن الرابع على الرداء واحتفظت به في القسطنطينية لغاية القرن الثامن. وفي عام ٨٠٠، قرّرت إمبراطورة بيزنطيا إيرين إهداءه لشارلمان بعد تنصيبه إمبراطورياً للغرب. أهدى شارلمان بدوره الرداء إلى ابنته تيوتراد حين كانت قيمة على دير في منطقة أرجنتي.
مكث الرداء في المنطقة اثني عشر قرناً وأخفي في جدار للدير خوفاً من الغزوات وعثر عليه بعدها وبدأ عرضه للتكريم.
وفي عام 850، لقد نهب النورديون بلدة أرجنتي وبازيليك سان دوني. وقبل مجيئهم أخفي الرداء في أحد أعمدة الجدران. وفي عام 1003، أعيد بناء الدير ولكن لم يُعثر على الرداء إلا في عام 1156، وكان العرض الأول واستمر تكريم الرداء حتى القرن السادس عشر وتعرض قسم من الرداء إلى الحرق حيث مخبئها لحظة الاستيلاء على البلدة عام 1567.
بعد الثورة الفرنسية والقضاء على جمعية القديس بنديكتوس في المنطقة أعطي الرداء إلى الكنيسة آنذاك. وفي هذه الفترة قسّمها الكاهن إلى أقسام ودفن الجزء الأكبر في حديقة مكان سكنه قبل أنْ يُسجن لسنتين. وففي عام 1795، بعد خروجه عمد إلى تجميع أقسام الرداء. وفي القرن التاسع عشر بدأ من جديد الحج والعرض الاستثنائي للرداء أمام المؤمنين الذي يجري كل خمسين سنة. وفي عام 1983 سُرق الرداء وفي 2 شباط 1984، أعيد الرداء إلى بازيليك القديس دوني.
صلاة
أيها الإله القدير لقد أنزلت علينا بركتك بابنك الوحيد ليشق لنا طريق الخلاص. ألبِسنا رداءه ليحمينا من الشر الإبليسي والكلام النابي والألفاظ الشريرة التي تُبعدنا عن درب الخلاص. ولتكن طريقُ الجلجلة فرصةً لطريق النور كما هي قيامة ابنك الوحيد من بين الأموات.
يا يسوع، لقد ألبست أجسادنا بمحبتك الطاهرة وتجرّدت من ثيابك قبل أنْ تُسمَّر على خشبة الصليب حباً بالبشرية، أتضرّع إليك أيها المسيح فاستجب دعائي العميق. فإنَّ رداءك المقدس، غير مخيطٍ ومنسوج من أعلاه إلى أسفله، علامةُ الوحدة لا التشتت، ونعمةٌ من السماء على أنَّ الكنيسةَ لا تنفصل عن سيدها، وأنَّك رأس الكنيسة، وأنَّ ألوهيتَك غيرُ منفصلةٍ عن إنسانيتك. أُؤمن بك وأعترف بقدسيّتك وبرحمتك الإلهية التي لا نهايةَ لها. أقدّم لك حياتي، ساعدني لأسير على خُطاك وأعملَ مشيئتك. إبعِد عني كل عمل يُشكلُ مسافةً بيني وبينك. خلّصني بدمك الثمين كل لحظةٍ ونجني من أذى إبليس وبارك كل الذين أذكرهم في صلواتي، بردائك المقدس خلصني يا يسوع وخلّص شعبك وكنيستك المباركة.






