كتب: كريم راضي
في ظل الانهيار المتسارع للمشهد اللبناني، والتبدلات الحادة في التوازنات الداخلية، يشهد البيت المسيحي تحديدًا صراعًا محمومًا على الزعامة، يتخذ طابعًا وجوديًا أكثر منه سياسيًا. لم تعد المسألة خلافًا على المقاعد أو التمثيل، بل باتت معركة هوية بين رؤية حزب الكتائب التاريخية للبنان، ومشروع القوات اللبنانية الإقصائي الساعي للسيطرة الكاملة على القرار المسيحي.
من المنافسة إلى محاولات التهميش
تدلّ المعطيات المتراكمة على أن ما يجري ليس مجرد تنافس سياسي بين حزبين لهما خلفيات متشابهة، بل هو محاولة منظمة من قبل القوات اللبنانية لتهميش الكتائب وإقصائها من الساحة، وتحويلها إلى كيان رمزي بلا تأثير فعلي.
النتائج الأخيرة في الانتخابات البلدية، وتمدد “القوات” في المفاصل الحكومية، وصولاً إلى ما جرى في انتخابات اتحاد بلديات المتن الشمالي، كلها تشكل حلقات متصلة ضمن هذا النهج الإلغائي.
الكتائب ضحية مشروع مركزي شمولي
من يتابع سلوك القوات اللبنانية يدرك أن الحزب لا يؤمن بالتعددية أو الشراكة الفعلية. إنما يعتمد على هيكلية تنظيمية مركزية صارمة، مدعومة بآلة إعلامية قوية، وأسلوب مدروس في تفكيك خصومه تدريجياً. ما جرى مع نقولا الجميل في انتخابات اتحاد بلديات المتن خير دليل، حيث انقلبت النتيجة فجأة من 19 صوتًا لصالحه إلى 22 لصالح ميرنا المر – في مشهد أثار علامات استفهام حول من حرّك الخيوط الخلفية، والجواب الأكثر ترجيحًا: القوات.
لماذا يجب أن تحذر الكتائب من القوات؟
ثمة جملة من المؤشرات تجعل من الضروري للكتائب أن تعيد تقييم علاقتها بالقوات:
غياب ثقافة الحلفاء: القوات لا تبني تحالفات دائمة بل علاقات قائمة على التبعية، ومن يخرج عن الخط يتعرض للتهميش.
تفكيك الداخل الكتائبي: هناك محاولات دؤوبة لاستقطاب كوادر وبلديات كتائبية، عبر الترغيب بالمناصب أو الضغط السياسي.
ازدواجية التحالفات: تتحالف القوات حسب الحاجة ثم تنقلب، كما حصل بعد التحالف الانتخابي الظرفي ضد التيار الوطني الحر.
احتكار الخطاب المسيحي: عبر استخدامها للنفوذ الإعلامي، تصوّر نفسها كصاحبة “القرار المسيحي”، وتقلل من شأن القوى الأخرى.
إلغاء التعددية: تسعى لاحتكار التمثيل، وليس التعايش مع الآخر، وهي تعمل بمنطق سحق الخصوم لا التنافس الديمقراطي.
معركة الكتائب المقبلة: معركة بقاء
إذا استمرت قيادة الكتائب في التعامل مع القوات بمنطق الحليف المؤقت أو الخصم اللين، فإن الحزب يضع نفسه طوعًا على طريق الاندثار البطيء. لم يعد بالإمكان تجاهل أن ما تواجهه الكتائب ليس مجرد تنافس سياسي، بل مخطط تدريجي لتصفية وجودها التاريخي.
إن تاريخ الكتائب، وحجم التضحيات التي قدمها، ومكانته التأسيسية في الحياة السياسية اللبنانية، كلها عناصر يجب أن تكون خطًا أحمر، لا تُفرّط بها القيادة الحالية مقابل تسويات آنية مع طرف لا يؤمن أصلاً بمبدأ الشراكة.
خلاصة: خياران لا ثالث لهما
إما أن تتعامل الكتائب مع القوات كـ”خصم استراتيجي” واضح المشروع والأهداف، وتعيد تنظيم صفوفها على هذا الأساس،
أو تخاطر بفقدان موقعها السياسي ودورها الوطني التاريخي، فتتحوّل إلى ضحية سهلة لمشروع احتكاري لا يعترف إلا بسيطرة مطلقة.
المطلوب اليوم ليس مجرّد رد فعل، بل مراجعة شاملة وجريئة لاستراتيجية الحزب وتحالفاته، وبناء شبكة تحالفات جديدة تستند إلى قيم التعددية والتوازن، بعيدًا عن محاولات الهيمنة التي تقودها القوات.
احذروا القوات.. فمشروعها ليس تحالفاً بل ابتلاعاً.


