كتبت الباحثة أ. ميرنا لحود
متابعة: هلا حداد
إخراج #garabettahmajian
يدور الصراع اليوم في الدولة العميقة الأميركية على المرحلة المقبلة، وداخل الحزب الجمهوري لأنَّ الديمقراطيين في مرحلة الاحتضار. ويمثل ترامب “المرحلة الانتقالية” للحلم الأميركي الجديد ومهمته في إطفاء الحروب المكلفة على أميركا الواقفة على حافة الهاوية، والمهدّدة بالحروب الأهلية التي ستُفضي حتماً إلى حرب عالمية ثالثة لحظة أي انفجار.
وتتفاقم المشاكل الداخلية الأميركية على كافة الصعد، من جراء سياسة حزب العولمة المتجذّر والذي يمسك بمفاصل الحكم الداخلي والعالمي، ويضم كافة الكارتلات من صناعة الأدوية إلى المخدرات وشبكات الدعارة والأسواق المالية وصناعة الأسلحة والتكنلوجيا عالية الدقة والتكتلات والمراقبة العالمية..
كل ذلك لا تنتفع منه إلاَّ فئة مُحدّدة، ما يرفع من منسوب الفوضى الداخلية.
إن حزب العولمة هو خليطٌ من جمهوريين وديمقراطيين ومستثمرين ونواة صلبة كبيرة من الصهاينة ولهم نفوذٌ كبير في البنتاغون والمؤسسات الأخرى القابعة بين إبليسين: سوروس والشيطنياهو.
وبدأت هذه المجموعة تفقد مكاسب مهمة منها USAID والمَقْعَدين الدائمين لرئاسة الأركان والـ سي آي أي في اجتماعات مجلس الأمن القومي، وهما أعين التجسس للخارج، إضافةً إلى تغييرٍ جذري في بعض المناصب ما أدّى إلى إضعاف التأثير الصهيوني على الكونغرس الأميركي وفق كلام ترامب. ونشهد حملة تصعيدية من قبل ميليكوفسكي- بولندي الأصل أي نتنياهو وهو من حزب العولمة المدرك بأنَّ الوقت ليس في صالح مطامحه، لذا فهو يباغت في قصفٍ من هنا وإبادةٍ من هناك، علّه يُحصِّل شيئاً ما، ويَجُرّ ترامب وراء أفعاله الخطرة حتى على أميركا.
لكن كل ذلك لا يعني أنَّ ترامب رجل السلام ففي محطاتٍ كثيرة هو متواطئ بسبب الضعف الذي يحيط به وبشخصيته وبإدارته السخيفة وخفيفة الثقافة والثقل السياسي والتي تخضع للضغوطات بسبب فسادٍ من هنا وتسهيلٍ من هناك للفاسدين كحال كافة الإدارات السابقة.
ولتأخير مشروع ومهمة ترامب يَعْمد ميليكوفسكي “النتن ياهو” إلى ضغوطات من خلال صهاينة أميركا الذين موّلوا حملة ترامب الانتخابية وداعمي النتن في الوقت نفسه ويلجأ الأخير إلى دعم توترات داخلية أو اغتيالات لشخصيات داعمة لترامب ومن حزب MAGA ومؤثرين على أجيال الشباب ولهم متابعون بأعدادٍ كبيرة مثل شارلي كيرك. ولا بدَّ من التذكير بأن منظمات صهيونية كانت تموّل الأخير لكنه بدأ يعترض على ما تقوم به الصهيونية من إبادة جماعية في فلسطين المحتلة. وهذا قد يؤثر على الشباب في أميركا ويضعف الصهاينة في داخل أعظم دولة في العالم، ما يُخيف أصحاب الإبادة الجماعية والتجويع ويرفع من شأن الاشمئزاز الظاهر أصلاً في كل أنحاء العالم.
ويستغل ميليكوفسكي النتن نقاط الضعف عند ترامب، فهو يتسابق مع الزمن لأن الانتخابات النصفية تقترب بشكل كبير ويريد ترامب الفوز بها ولكن عليه حل مسألة الإبادة في غزة أولاً من قبل المجرم، وعددٌ من المحللين لا يعتبرون ترامب صديقاً أو حليفاً للنتن. يدعم ترامب إسرائيل وليس حكومة ميليكوفسكي النتن الذي يظهر أحياناً بأنّه يمسك بزمام الأمور بسبب خضوع ترامب. وبدأ التحضير لما بعد ترامب من ورثة الـMAGA لأنَّ أميركا لا تتحمّل خوض الحروب مهما حصل ومهما عربد النتن.
من ألاسكا إلى قمة شنغهاي
تشكل قمة ألاسكا محطة مهمة في السياسة الأميركية ويكمن نجاحها في إمكانية انعقادها ورغم قلة المعلومات التي رشحت عنها فمن الممكن قراءة بعض الرموز: أولاً ألاسكا هي منطقة روسية في أميركا وتحافظ على التراث الروسي وكنائسها وتقاليدها حتى اليوم، ومنذ أن انتقلت من روسيا إلى أميركا. ثانياً تكمن الرمزية في اختيار المكان الذي هو على مسافة واحدة من روسا وأميركا.
وما كان ملفتاً في هذه القمة هو قميص وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف حيث طبع عليها نقش حروف اسم الحزب الشيوعي السابق، بالإضافة إلى الخلوة التي جمعت الرئيسين ترامب وبوتين ومن الواضح أنَّ الحزب الذي تعاني منه أميركا ترامب هو نفسه يعاني منه العالم. وتُطرح تساؤلات حول بعض الأمور: هل جرى تفاهم على مناطق نفوذ كمنطقة غرينلاند وبانما لأميركا ومنطقة روسيا دون الناتو في أوكرانيا وعلى حدودها ومنطقة تايوان للصين؟ كلُّ ذلك ممكن لا بل من البديهي أن يكون النقاش طمأنةً للجميع.
وهل ستدخل أميركا كشريك مع تجمع البريكس ولا كحليف إنما كعضو مع مجموعة رابح ـ رابح؟ لأنَّ الاستثمارات تحتاج إلى الاستقرار. وقد تكون الأمور على شكل “نساعدك في صراعك وتساعدنا في صراعنا” لكنَّ ذلك يتطلّب عملاً دؤوباً وتعاوناً وتأثيراً مستمراً على ترامب كي لا يرضخ بسرعة لأنَّ المسألة معقّدةٌ، هل سينجح ترامب في تجاوز حزب العولمة وخاصة ميليكوفسكي النتن؟ سؤالٌ معلّقٌ… وهو الأساسي.
أما قمة شنغهاي فلم تطالب بتغيير جذري أو بإعادة بناء منظومة عالمية جديدة إنما في تفعيل المؤسسات الحالية وتطبيق القانون الدولي وألا تتموّل المؤسسات الأُممية من أميركا حصرياً أو الجزء الأكبر منها كي لا تخضع لسيطرة الأخيرة، ولا بدَّ من إيجاد صيغة والحلول ممكنة وموجودة لتمويل الأمم المتحدة بشكل مختلف بعيداً عن الاستعباد والسيطرة الأميركية.
الأبارتايد من أفريقيا الجنوبية إلى فلسطين المحتلّة
تُخفي اتفاقية وعد بلفور السرّية مع الحركة الصهيونية في طياتها نية خبيثة ألا وهي ضرب كل تطلعات الشعب الفلسطيني، وكانت صداقةٌ تجمع بين وايزمن والجنرال جان سمتس (الذي أصبح فيما بعد رئيس وزراء أفريقيا الجنوبية) وكان يَشغل منصب رئيس لجنة أفريقيا الجنوبية المتمثلة في وزارة الحرب البريطانية إبّان الحرب العالمية الأولى؛ ما سهّل للأخير وسيلة ممارسة الضغط على الحكومة البريطانية كي تتبنّى وعد بلفور ويبدأ إنشاء “مستعمرة صهيونية” تحت إدارة بريطانيا.
ومع نهاية القرن بدأ التدفق بقوة لمجموعة كبيرة من يهود التلمود القادمين من ليتوانيا وتمركزوا في أفريقيا الجنوبية. وتحمل تلك المجموعة “سمة” “الاستعمار في أفريقيا الجنوبية” وكان عددٌ من المسؤولين في الحركة الصهيونية مثل وايزمن وهرتزل يترددون وبشكل مكثف للحصول على الدعم السياسي والمالي من صهاينة جنوب أفريقيا. وتتوافق فكرة التفوق العنصري لدى الصهاينة في جنوب أفريقيا مع فكرة صاحب شعار الاستعمار Sir Cecil Rhodes وهو بريطاني وسياسي جمع ثروته من ألماس (عُرف باسم ملك الألماس، حيث أنشأ شركة دي بيرز، أضخم شركة ألماس في العالم والتي تسيطر اليوم على 60% من ألماس العالم، وكانت في فترة من الفترات تسيطر على 90% منه).
وطبّق هرتزل طريقة رودس المتعلقة في التفوق الاستعماري العنصري وأُنشئت شركة، شبيهة بنمط شركة رودس، للاستعمار الصهيوني في فلسطين. وفي عام 1935، شكلّت مجموعة من المستثمرين الكبار لجنوب أفريقيا مؤسسة ” استثمارات إسرائيل- أفريقيا” من أجل شراء أراضٍ في فلسطين. وهذه الشركة لا تزال مسجلة كأسهم باسم “جنوب أفريقيا” في ملكية بنك لومي الإسرائيلي. وما يطبق اليوم في فلسطين المحتلّة منذ مجيء حكومة النتن الفاشية في عام 2023 هو تنفيذ لانقلابٍ بطرق تدريجية في المنطقة وفق مراحل وجاء الطوفان ليقلِبَ المعادلات المُعدّة مسبقاً لذا فإنَّ حرب النتن ليست وليدة اللحظة، حيث إنَّه ينفذها كما خُطِطَ لها قبل طوفان الأقصى.
أبو محمد الجولاني بين MI6 والـ USAID لإسقاط سورية
منذ بداية الحرب على سورية، لقد أنفقت USAID ومكتب المساعدات الإنسانية التابع للوزارة الخارجية الأميركية 18 مليار دولار في سورية ولسنة 2024، أُنفق مليار ومئتا ألف دولار وصرّح عن ذلك في مقابلة المدعو جايمس جيفري ممثل أميركا في إدلب والذي اعترف بتعامله مع الجولاني. لا بدَّ من التذكير بأنَّ ممثل أميركا عمل في إدارة بوش الابن أي مع مجموعة الحادي عشر من سبتمبر أي دونلد رامسفلد وديك تشني وبول ولفوفيتس ورئيس الـ سي آي أي آنذاك. وثمة تقرير عسكري آخر يؤكد بأنَّ MI6 وظّفت أبو محمد الجولاني منذ عشر سنوات وكان الرجل يعمل مع جونتان باول Jonhattan Powell الذي كان مدير مكتب طوني بلير رئيس وزراء بريطانيا الأسبق والذي حرض على اجتاح العراق وأفغانستان من خلال معلومات كاذبة وأطروحة حول أسلحة الدمار الشامل. وعمل باول أيضاً كمستشار الأمن القومي البريطاني. ومع دخول الجولاني إلى المسجد الأموي لإلقاء “خطابه” المكتوب من قبل ممثلة باول في سورية للحكم الجديد، كانت الأخيرة بالقرب منه تراقب.
وفي 27 آب من عام 2025، حصل اجتماعٌ في البيت الأبيض متناولاً عنوان “مستقبل غزة والريفيرا” وجمع كلاً من ترامب ونائب الرئيس دجي فانس وستيف ويتكوف وماركو روبيو وزير الخارجية وجارد كوشنير المستشار في الإدارة الأولى لترامب وطوني بلير ورون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية للكيان الصهيوني. وجرى النقاش حول كيفية إخراج الشعب من غزة وإعادة إعمار القطاع وجعله مركزاً متطوراً للتكنلوجيا يُضاهي مناطق مثل دُبي ويُحكى عن مبلغ مئة مليار دولار مخصص للمشروع. ووفق الفاينانشل تايمز، إنَّ مؤسسة طوني بلير للتغير الشامل Tony Blair Institute for Global Change و(TBI) Boston Consulting Group هما اللتان درستا مشروع الريفيرا الذي يحمل عنوان :
The Gaza Reconstitution, Economic Accelaration and Transformation Trust
وخلال لقائهما نشأت فكرة ومشروع غزّة للإغاثة Gaza Humanitarian Foundation، ولقد تمَّ تسجيل هذه المنظّمة الإنسانية في جنيف، ما يجعلها تخضع لقانون البلد وتُعنى في توزيع المساعدات الإنسانية بدلاً من السلطة المحتلّة والمنظمات الأممية والصليب الأحمر وجمعيات أخرى. إلاَّ أنَّ الفضائح بدأت تخرج منذ تمركز المؤسسة لتحوّلها إلى مركز قتلٍ جماعي للمجوَّعين الذين يتوافدون للحصول على المساعدات الغذائية إلى أنْ استقال من إدارتها الأميركي جاك وود من قدامى المارينز.
والجدير بالذكر هو أنَّ المؤسسة أُنشئت من قبل منتدى ميكفي يسرائيل مع يوتان هاكوهين المستشار الاستراتيجي لميليكوفسكي الشيطنياهو ويوتان هو ابن الجنرال جرشون هاكوهين إضافةً إلى ليران تانكمان من قدامى المخابرات الذي تحوّل إلى مدير تنفيذي في مجال التكنولوجيا المتقدمة والإسرائيلي الأميركي مايكل إيزنبرك المستثمر في رأس المال الاستثماري. وانضمّ معظم أعضاء منتدى ميكفي يسرائيل إلى منسق أنشطة الحكومة غسان عليان اعتقاداً منهم بأنَّ حكومة النتن (ميليكوفسكي الاسم الأصلي) لا تفعل شيئاً لمساعدة سكان غزّة. ويُقال بأنَّ المؤسسة تلقت مبلغاً بقيمة 100 مليون دولار من دولة أوروبية لم يُفصح عن اسمها.
وتقدّمت منظمة Trial International غير الحكومية بعريضتين قانونيتين طالبةً من السلطات السويسرية والقانون الدولي الإنساني في منظمة غزة للإغاثة الغذائية، وتتساءل منظمة Trial International عن أحقية أو كيفية استخدام منظمة إنسانية أو الاستعانة بشركات عسكرية خاصة. في الحقيقة لقد استعانت منظمة غزة للإغاثة بخدمات فيليب ريللي صاحب شركة Safe Reach Solutions. وريللي هو جندي سابق في المجموعة السابعة التابعة للقوات الأميركية والتي ركزت على مكافحة المخدرات في أميركا اللاتينية وأصبح الرجل فيما بعد رئيساً للفرع وهو فرعٌ شبه عسكري لوكالة المخابرات المركزية الأميركية والمعروف اليوم بمركز الأنشطة الخاصة. كما أنّه في عامي2008 و2009 استلم مركز وكالة المخابرات الأميركية في أفغانستان وكان رئيس عمليات مكافحة الإرهاب التابع للوكالة واستخدم برنامج المُسيّرات المثير للجدل خلال الحرب على الإرهاب. ثم انتقل إلى القطاع الخاص كرئيس أول للأنشطة الخاصة في شركة Constellis العسكرية التابعة لمؤسس شركة المرتزقة سابقاً بلاك ووترBlackwater، وبعدها عمل في شركة Orbis العسكرية الخاصة. خلاصة القول إنَّ الذي لم تقتله القوات الصهيونية نال نصيبه من قوات فيليب ريللي.
الدوحة
أمّا ضربة الدوحة فلم يتأكد منها إلاَّ عاملان: الأول هو أنَّ جيش العدو يستهدف قياديي حماس غير التابعين للإخوان المسلمين والعامل الثاني هو أنَّ أمير قطر صديق حميم للنتن وحكومته.


