أعانَ اللهُ أهلَنا في لبنان على هذه المحنةِ المروّعة التي ألمّت بهم.
لا أعلم ما هي الكلمات التي يمكن أن نستخدمها في توصيف الوحشية والهمجية المتفاقمة بسبب هذه العقلية العنصرية النرجسية والمريضة.
شعرنا بنوعٍ من الارتياح عندما تم الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، وقد أدى ذلك في القدس إلى فتح كنيسة القيامة، خاصةً في هذا الموسم المبارك، وكذلك المسجد الأقصى. وبعد ساعاتٍ قليلة من هذا الارتياح والتفاؤل الذي انتاب الكثيرين، إذا بنا نُصدم بجريمةٍ جديدة وعدوانٍ وحشيٍّ همجيٍّ استهدف لبنان، وأدى إلى ارتقاء عددٍ من الشهداء، ومنهم عددٌ من الأطفال.
لا أعلم: هل نبكي على أطفال غزة وأطفال فلسطين الذين يُقتلون بدمٍ بارد، أم نبكي على أطفال لبنان الذين يُستهدفون بهذه الوحشية؟
إننا نبكي على الجميع، ونتألم ونحزن على كل قطرة دمٍ بريئة تُسفك، سواء كان ذلك في فلسطين أو في لبنان أو في أي مكانٍ آخر.
الدماءُ البشرية هي دماء إنسانٍ خلقه الله، والبشر جميعًا ينتمون إلى أسرةٍ بشريةٍ واحدة، وحياة الإنسان مقدسة لأن الله هو الذي منح هذا الإنسان نعمة الحياة، ومن يقتل ويرتكب هذه الجرائم المروعة بحق الإنسانية إنما يعتدي على الإرادة الإلهية.
في الوقت الذي نعيش فيه الآلام والأحزان في ظل ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني، فإننا نلتفت إلى لبنان، ليس فقط رافضين ومستَنكرين هذا العدوان، بل مؤكدين بأن نزيفنا واحد، ومعاناتنا واحدة، وعدونا واحد هنا وهناك.
نقدم تعزيتنا لكل الأسر التي فقدت أبناءها، متمنين الشفاء لكل الجرحى والمصابين، وسائلين الله أن ينعم بالقوة والتعزية لكل أولئك الذين فقدوا أحبتهم، ودُمّرت منازلهم، وشاهدوا بأمّ العين هذه الجريمة النكراء التي لم تتجاوز مدتها أكثر من عشر دقائق، لكنها خلّفت كمًا هائلًا من الدماء والخراب والآلام والأحزان.
لماذا يحدث هذا؟ فهذا تساؤل يطرحه الكثيرون. ولماذا تُرتكب هذه الجرائم المروعة في فلسطين ولبنان وفي غيرها من الأماكن، والعالم يرى ويسمع دون أن تُتخذ إجراءات فاعلة وعملية لردع المعتدين وإيقافهم عن الاستمرار بجرائمهم؟
نحن في الأسبوع العظيم المقدس ما بين الشعانين والقيامة، واليوم هو الخميس العظيم المقدس، حيث نرتل في كنائسنا في عشية هذا اليوم العظيم: (اليوم عُلِّق على خشبة).
لقد سار المخلص في طريق الآلام وصولًا إلى الجلجلة، حيث عانى ما عاناه من جراحٍ وآلامٍ وإهاناتٍ وشتائم، فكانت تلك الكلمات الخالدة التي نطق بها السيد وهو معلّق على الصليب: (يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون).
نعم، نحن جماعة نؤمن بالمسامحة والغفران، ولكن المسامحة والغفران يحتاجان إلى توبةٍ عميقة من أولئك الذين يرتكبون الأخطاء الجسيمة.
يبدو أن من يستهدفون شعبنا الفلسطيني ومن يستهدفون لبنان لا يؤمنون بقيم السلام والرحمة والإنسانية وكلمة التوبة ليست موجودة في قاموسهم.
ويعتقدون بأن القوة تعني في مفهومهم القتل والاستبداد والإمعان في الحروب واستهداف المدنيين .في هذا لا يتحمل حكام إسرائيل المسؤولية لوحدهم، بل أيضًا أولئك الذين لم يحركوا ساكنًا، وبعضهم صامت صمت القبور أمام هذه الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية.
ومن وحي أسبوع الآلام نقول بأن كل طريق آلامٍ لها بداية ولها نهاية، ونتمنى أن تكون نهاية سريعة لآلام هذا المشرق، وخاصة في فلسطين ولبنان وأقطار هذا المشرق كلها.
يا رب، نسألك في هذا الأسبوع المقدس أن تكون هناك خاتمة للأحزان، وخاتمة لطريق الآلام، لكي ينتصر الخير على الشر، وتنتصر المحبة على البغضاء، وتنتصر الرحمة والإنسانية على القساوة والهمجية وثقافة القتل واستهداف الإنسان.
ارحمنا يا رب، فنحن بحاجة إلى رحمتك، وكن مع شعوب منطقتنا، ومع كل المعذبين والمتألمين، وأعطهم تعزيةً وقوةً في هذه الأوقات العصيبة.
يبدو أن القاتل سيبقى قاتلًا، والمجرم سيبقى مجرمًا، فهؤلاء لا يعرفون إلا هذه اللغة، أما نحن فلن نتخلى عن إنسانيتنا وقيمنا وروحانيتنا ومبادئنا في ظل هذه الهمجية وهذه الوحشية التي نعيشها ونراها بأمّ العين.
إن قوتنا نستمدها من قيمنا وإنسانيتنا ومبادئنا وتشَبُّثنا بإيماننا وارتباطنا بهذه الأرض المقدسة.
إن قوتنا نستمدها من قيمنا وأخلاقنا وإيماننا ومبادئنا السامية التي لن نتخلى عنها في أي ظرفٍ من الظروف.
كن يا رب مع أهلنا في فلسطين ولبنان، وكن بلسمًا وتعزيةً مع كل إنسانٍ مظلومٍ ومكلومٍ ومعذّب
المطران عطاالله حنا
رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 9 نيسان 2026


