التبعية العمياء أو عقلية القطيع

كتبت: أ. زهرة اسماعيل- ألمانيا 

ظــاهرة نفسـية واجتماعيـة تشير إلى ميل الأفراد إلى اتباع سلوك المجموعة أو معتقداتها دون تفكير نقدي أو تقييم منطقي.
فـي ذلـك، يسعـى الإنسـان إلى التوافـق مــع الآخـرين- بـدافع الأمان، أو طـلـب الـقبـول الاجتــماعي، أو مـن الخوف من الاختلاف. ولــمجرد أنــها جــماعــة- فــيَـفتـرض أن تكـون على حق.

ويظهر هذا السلوك في الأزمات الاجتماعية، ووسائل التواصل، والأسواق والآليات. وفي كثير من المواقف التي يتراجع فيها صوت العقل أمام ضغط الجماعة.

لكن خطورته الحقيقية تبدأ حين لا يقتصر على العامة بل يمتد إلى المثقفين والفكرين والنخب، حين يتخلى الإنسان عن عقله ويستبدل قناعته الشخصية بموقف الجماعة وبإرادته.

يمكن فهم سلوك القطيع بوصفه امتداداً لغريزة قديمة مرتبطة بالبقاء والحماية.
فالكائنات الاجتماعية تميل إلى التجمع والاحتماء بالجماعة، طلبا للأمن وتجنبا للخطر.

لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل الإنسان، بما يملكه من عقل ووعي وقدرة على النقد والاختيار، إلى الانتماء إلى الجماعة.
فالقطيع لا يتحرك فقط معاً، بل يقلد السائد ويخشى المختلف، ويفترض أن الكثرة دليل على الصواب.

وهنا تتحول الجماعة من مصدر للأمان إلى سلطة، تصادر أثمن ما يملك الإنسان: حرية التفكير والمسؤولية الفردية.
وما أضل التسلط حين يظن أن كثرة التابعين تصنع له صواباً، وما أتعس القطيع حين يسلب عقله.

إنهم لا يحاربون صاحب الوعي لأنه مخطئ، بل لأنه لا يفكر. ولأنه يكره ظلمهم بل لأنه يوقظ فيهم السؤال:
لماذا أتبع؟
ولماذا أتبع؟
وبأي ميزان أحكم؟

فعند القطيع: الوعي جريمة، والاستقلال والتمرد رأي خطر يجب محاصرته.
إنهم لا يملكون مواقف بل يستعيرونها من سيدهم. إن غضب غضبوا، وإن رضي رضوا، وإن خاصم شخصاً خاصموه، وإن صالحه صالحوه.
هو يغير موقفه فيغيرون مواقفهم معه.
وهم أسرى إشارة منه ويظنون أنهم أحرار.

أبلغ الصور التي تجسّد هذه الحالة، حكاية الثعلب الذي قُطعت ذيلُه. فلما شعر بالخجل من عيبه، حاول أن يقنع بقية الثعالب بأن ذيولها عبءٌ وأن التخلص منها فضيلة. لكنه لم ينجح في إقناع إحداها.. إذ أدركت أن دعوته لم تكن بحثاً عن مصلحة الجميع وإنما محاولة لتبرير عيبه الخاص.

وهكذا يفعل السيد المتسلط: لا يرفع نفسه إلى مستوى من يخشاه، بل يحاول إسقاط الآخرين إلى مستواه. لا يصلح عيبه بل يريد أن يجعل عيبه قانونا على الجميع.

التسلط النرجسي لا يريد حوله عقول أقوى منه، ولا شخصيات مستقلة أكثر لأن الإنسان الواعي يفضح هشاشة السيطرة.
أما التابع الأعمى فيمنحها وهم القوة.
وحين يعجز عن إقناع العقول، يستعين بالجموع.
وحين يعجز عن إخضاع صاحب موقف، يرسل خلفه القطيع.
وحين يخشى انكشاف حقيقته، يرفع الضجيج.

هو يريد أتباعاً لا يفكرون، بل ألسنة تردد، وأعيناً تغض الطرف، وآذاناً تسمع وتطيع.

لكن صاحب الموقف الحر لا يقيس الحق بعدد من يلتفون حوله، أو بعدد من يصفقون له. بل يسأل: هل هذا حق أم باطل؟ هل يوافق مبادئ؟ أم لا يرضيه؟

فإن وافَقَ الحق اتبعه وإن خالفه تركه، ولو اجتمع عليه أهل القطيع كلهم.
أما صاحب العقل، فيقف حيث يقف الحق، ولو وقف وحده.

أما القطيع فيحتاج إلى سيّد كي يعرف أين يقف.

أكثر ما يكرهه القطيع هو إنسان يفكّر بشكل مختلف. لكنهم لا يكرهون رأيه في الحقيقة، بل يكرهون جرأة هذا الفرد على التفكير بنفسه، ليمتلك الشجاعة ليكون مختلفاً.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]

ولن يظل الإنسان يظن أن كثرة التصفيق تمنحه الحق، ولا بوقاً ينفخ فيه، ولا خروفاً يقاد.
فكر قبل أن تتبع، وتحقق قبل أن تحكم.

فالضجيج لا يصنع حقيقة، والكثرة. دعْ للقطيع صَخَبَه، وللمغرور غرورَه. ولا تزن الأشخاص بالحق، بل وازن الأشخاص بالحق.
والاتباع لا تمنح الباطل شرعية، والتصفيق لا يحول الظلم إلى عدل.

فأولئك الذين يجرؤون على أن يكونوا مختلفين، مهما كان حجم ما تتعرض له من هجوم، لا تتنازل عن حقك ولو للحظة. هم من يدفع المجتمع إلى الأمام ويحفزه على التطور.

التعليقات