كتبت الباحثة الأستاذة ميرنا لحود
متابعة: هلا حداد
صورة الغلاف والإخراج: #garabettahmajian
في الجزء الثاني من المقالة البحثية للأستاذة ميرنا لحود، نتعرّف على مسار الضغوطات الاميركية للسيطرة على الثروات النفطية في دول متعدّدة من العالم العربي وصولاً إلى لبنان.
الـ CIA وراء التحريض والحرب بين الإخوة
في تسعينيات القرن الماضي، مارست أميركا ضغوطات على الكويت لخنق العراق اقتصادياً وبدأ البلد الصغير يطالب بالديون التي منحها لصدام لتمويل صراعه ضد إيران، كما كانت الكويت تأخذ النفط في المناطق المحايدة الواقعة بين الطرفين..
وفي الوقت نفسه لقد زودَّت الـسي آي أي السعودية بصورٍ خاطئة من الأقمار الاصطناعية تفيد بهجوم قريب على المملكة من قبل العراقيين. وشجعت الخارجية الأميركية صدام حسين لضمّ الكويت، ما أوقعه في الفخ الأميركي وبذلك أصبح العراق خارج القانون الدولي بالنسبة للجميع بينما محاولة احتلال “إيران الثورة” لم تتسبب بإزعاج يُذكر قانونياً. واستفادت الأنجلوسكسونية من تلك اللحظة لتعلن عملية “عاصفة الصحراء” وقتها لم يستطع كلٌّ من الاتحاد السوفياتي وفرنسا حماية العراق، لقد عارضا اجتياح العراق بأكمله. وقبلت الأنجلوسكسونية البقاء على صدام حسين في السلطة لكن وضعوا اليد على أماكن النفط التي أسقطوا عليها عبارة Northern No Fly Zone وكذلك في الحقول الجنوبية Southern No Fly Zone وهكذا أصبح النفط تحت سيطرة الأمم المتحدة في برنامج البترول مقابل الإغاثة.
نحو مَحْو ذكرى احتجاز وزراء OPEP
ما بين عامي ١٩٩٤ و١٩٩٥، أدارت كل من أميركا وفرنسا وألمانيا عملية مسح أي أثر لفكرة احتجاز وزراء البلدان المنتجة والمصدرّة للنفط. وتوصلوا بتحديد تواجد كارلوس في السودان على يد أسامة بن لادن وحسن الترابي. وتمَ اختطافه من قبل رجال الجنرال Philippe Rondot وحكُم عليه في فرنسا. أما اللواء Johannes Weinrich لقد تمَّ رصده في اليمن وأوقفه المدعي العام Detlev Mehlis وتمَّ ترحيله إلى ألمانيا حيث حُكم عليه.
جورج بوش و”فوز” النهب والقتل في العراق
بعد اثني عشر عاماً، اجتاح جورج بوش الابن كل العراق واستغل كل ثرواته وفي غضون عامٍ واحدٍ وضع مجموعة من الأشخاص في تحالف لسلطة مؤقتة في سدة الحكم. وكانت الأخيرة بمثابة شركة خاصة على غرار الشركة الهندية القديمة إبّان الاستعمار البريطاني. ولم تُسلّم ” الشركة الأنجلوسكسونية ” السلة إلى حكومة مؤلفة من العراقيين إلاَّ بعد تعهدٍ بتطبيق وتنفيذ كل الإملاءات الأنجلوسكسونية وإبقائها نافذة الفعالية. بعد ثلاثين عاماً من الصراع، لقد تكمن البنتاغون والبيت الأبيض والشركات النفطية والكيماوية الأنجلوسكسونية من الثأر.
التنقيب عن النفط في لبنان منذ عام 1943
تعود حكاية التنقيب عن النفط والغاز في لبنان إلى العام 1943 حين استُقدمت شركة عراقية للتنقيب عن النفط والغاز في البر اللبناني ثمَّ في البحر. وحفرت الشركة عدداً من الآبار وأهمها بئر في جبل تربل، وإذ بالشركة تتوقف عن التنقيب ولأمورٍ غامضة، مبررةً ذلك في عدم الوصول إلى نتائجَ قيمةٍ أو مشجعة. ويؤكد الباحث اللبناني ريمون عطا-الله بأنَّ :”الفرنسيين هم من كانوا وراء الدعوة لوقف التنقيب عن الثروة النفطية ولأمر يتعلق بنشوء كيان للعدو في عام ١٩٤٨ ومنع أي دولة مجاورة للكيان الغاصب من أن تكون غنية وقادرة على بناء نفسها وقدرتها العسكرية والأمنية”.
في عام 1970 مذكرة “لمن يهمه الأمر”
في عام 1970، تقدم البروفسور توماس غوديكية الأستاذ في الفيزياء والجيولوجيا في الجامعة الأميركية بمذكرةٍ تحمل عنوان ” لمن يهمه الأمر” يشير فيها إلى تواجد النفط في “الحوض المترسب والمغمور بالمياه الضحلة المؤلفة لأجزاء واسعة جداً من الشواطئ اللبنانية. والبحث على عمق من 1000 متر إلى 3000 متر حيث سيظهر الذهب الأسود بكميّات كبيرة أي تجارية، ما سيجعل لبنان بلداً نفطياً غنياً قوياً”.
دراسة زياد بيضون
بعد سنتين من مذكرة البروفسور غوديكية، تقدّم أكاديمي آخر في الجامعة الأميركية وهو زياد بيضون (رئيس كلية الجيولوجيا في الجامعة الأميركية) بدراسة “علمية مفصلة تظهر وجود الغاز والنفط تحت قاع مياه لبنان البحرية الذي ينبغي استخراجه في أسرع وقت ممكن”. ولاقت هذه الدراسة آذاناً صاغية لدى العديد من الشركات النفطية الأميركية والأوروبية التي تحرّكت باتجاه بيروت طالبةً من الحكومة اللبنانية التنقيب عن النفط. فوجئت الحكومة بالعدد الكبير من الطلبات بين عامي 1974 و1975، من قبل الشركات المهتمة في التنقيب والحصول على امتيازات وغطت تلك الطلبات الشاطئ اللبناني من أقصى الشمال حتى الجنوب، ما دفع وزير الصناعة والنفط في ذلك الوقت لويس أبو شرف إلى القول: “إن كثافة الإقبال لشركات التنقيب العالمية إلى لبنان يعني أنَّ في البلد ثروة نفطية.”
د. أفتيم عكرة ود. غسان قانصو
لقد دعت شخصيات لبنانية، وفقاً لقدرتها الفكرية والعلمية، الحكومة لاتخاذ قرار بالتنقيب عن النفط والغاز لاسيما في الداخل خصوصاً في سهل البقاع. ومن بين الشخصيات الدكتور أفتيم عكرة والدكتور غسان قانصو اللذين كانا يستندان إلى وقائع وأسس علمية في نظريتهما عن وجود الغاز والنفط في لبنان. على سبيل المثال، إن سهل البقاع والساحل اللبناني يقعان في جرفٍ قاري عادة ما يختزن النفط والغاز أو كليهما معاً. أُعطيت الامتيازات وفي عام 1975 اندلعت الحرب الأهلية على أيادي الميليشيات اللبنانية وفي عام 1982 دخلت قوات المارينز الأميركية والفرنسية والإيطالية إلى لبنان لتغطية انسحاب القوات الصهيونية من بيروت. ويروي ضابط من هذه القوات لصديقه اللبناني بأنَّ الأرض التي نقف عليها في شاطئ خلده المقابل للمطار مليئة بالغاز والنفط وقال إنّه سمع من صديق له يعمل في شركة نفطٍ أميركية بأنَّ لبنان يمتلك كمياتٍ كبيرة من النفط خاصةً تحت ساحله. وفي ذلك الوقت، دخل الاتحاد السوفياتي بثقله السياسي والعسكري ليكون طرفاً في الصراع لإخراج القوات الأطلسية من لبنان. ويُقال إنَّ الاتحاد السوفياتي كان على علم بتواجد النفط وذلك عبر سواتله التي تستخدم تكنلوجيا الاستشعار عن بُعد.
تنقيب في الساحل الشمالي في تسعينيات القرن الماضي
وصل إلى مسامع رئيس الحكومة آنذاك الشهيد رفيق الحريري بأنَّ شركات نفط عالمية تعتقد بتواجد النفط في الساحل الشمالي للبنان. وثمة شركات أبلغت وزير الصناعة والنفط الدكتور أسعد رزق عن رغبتها في إجراء مسوحاتٍ زلزالية للمياه الإقليمية للبلد. ومنحت حق إجراء المسوحات وسافر الوزير وقتها لمعرفة قراءة النتائج في الولايات المتحدة التي كانت إيجابية وأكدّ الوزير على وجود مكامن للغاز الطبيعي على الساحل اللبناني.
وطبقاً للمعلومات إنَّ لبنان يمتلك أكبر مساحة بحرية في شرق البحر المتوسط، يليه فلسطين المحتلّة لكن بفارقٍ كبيرٍ وقبرص وسوريا. إنَّ المنطقة الاقتصادية البحرية الحصرية اللبنانية قد تبلغ مساحتها أكثر من 4 أضعاف مساحة لبنان، ويسيطر لبنان على مياهه الإقليمية سيادياً واقتصادياً. أمّا سيطرته على المنطقة البحرية الاقتصادية الحصرية اقتصادياً فهي وفق حكم قانون البحار، ومجموع المنطقتين قد يبلغ 44 ألف كلم مربع.
في عام 1975، يُبدي رئيس الجمهورية اهتماماً كبيراً لموضوع التنقيب
طلب رئيس الجمهورية وقتها سليمان فرنجية في عام 1975 من د. زياد بيضون إعداد ملفٍ مفصّل عن المسح الجيولوجي والنفطي للمياه البحرية ليكون التفاوض مع الشركات المتهافتة والمهرولة إلى البلد مفيداً للدولة اللبنانية. وأصدر فرنجية مع رئيس الحكومة في ذلك الحين مرسوماً رسمياً يحمل الرقم 10537 بتاريخ 31 تموز/ يوليو 1975 وأحيل إلى مجلس الوزراء، ما أجاز لوزير الصناعة والنفط النظر في عروض الشركات العالمية واختيار الأنسب لبدء أعمال التنقيب عن النفط واستثماره لحساب الدولة اللبنانية. لكن في 13 نيسان من العام نفسه، اندلعت الحرب الأهلية وحالت دون بدء عمل الشركات في التنقيب ومنع ذلك لبنان من أنّْ يُصبحَ بلداً نفطياً.
في عام 1996 محاولات جديدة للتنقيب مع سبكتروم
حاولت هذه المرة في عام 1996 شركة “سبكتروم” البريطانية التي استطلعت المياه الإقليمية والاقتصادية بإذنٍ من السلطة اللبنانية. واكتشفت بأنَّ الجرف القاري لجهة لبنان في شرقي البحر المتوسط يحتوي على كمية هائلة من الغاز والنفط لكنَّ الشركة أوقفت العمل وغادرت لبنان من دون تزويده بأي تقرير عن نتائج عملها. يبدو أنَّها تلقّت أوامرَ بترك التنقيب بناءً لضغوطات صَهيونية. ويقول أحد الخبراء بأنَّ سبكتروم تلقت تهديداً صهيونياً وطُلب منها التكتم على الأرقام الهائلة المختزنة في قعر البحر اللبناني من الغاز والنفط خاصةً في الجزء الشمالي حيث المياه أقل عمقاً من الجزء الجنوبي. ولا أحد يعرف دقية الأرقام إلاَّ الشركة المذكورة والكيان الصهيوني. ويضيف الخبير بأنَّ الصهيوني يريد الاستيلاء على الثروة الطبيعية النفطية والغاز للبنان ويفكر بجرِّ الثروة عبر وسائل عديدة منها الحفر الأفقي تحت قاع البحر.
بي جي أس النرويجية والمسح الشامل
بعد سبكتروم جاء دور بي جي أس النرويجية التي أجرت مسحاً شاملاً ثلاثي الأبعاد للمياه الإقليمية اللبنانية وأعلنت عن تواجد كمياتٍ ضخمة من النفط والغاز كما تحدثت سابقاً شركات أجنبية من المنقبين عن النفط في البلد. يقول مهندس الشركة النرويجية: “تتميز الشواطئ اللبنانية بنوعٍ من الغطاء الرسوبي الكثيف، ما يشير إلى وجودِ كمية كبيرة من الغاز ويُقدّر بـ 1200 مليار متر مكعّب”. ووفقاً للمهندس النرويجي، إنَّ كميات الغاز تفوق كميات النفط، وهذا الكلام يؤكده الخبير النفطي اللبناني د. علي حيدر الذي يضيف بأنَّ المسح الزلزالي الذي أجري على طول الساحل اللبناني أظهر تواجد النفط والغاز من خلال أنواع الطبقات الموجودة والتي تمَّ فيها اكتشاف 13 نوعاً من المصائد الخاصة بالنفط والغاز التي تُقدّر عوائدُها بما يتجاوز ألف مليار دولار.
وبينما لبنان غارق مع رؤساء طوائفه الفاسدين في صراع المذاهب، يسرق العدو الصهيوني خيراته جواً وبراً وبحراً. يحتاج البلد إلى أكفاء في الإدارة ولا إلى مسؤولي الطوائف خاصة عند الطائفة المسيحية المنحازة إلى الخارج التي يتمّ التقاذف بها ككرة لتصبح بحد ذاتها مهلكة البلد أكثر من غيرها.


