مقالات شبابية مواكبة لحملة #عينك_على_لبنان: قراءة في أبعاد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي وتداعياته الوطنية

كتبت: آيه عبد الله
طالبة جامعيةـ علوم سياسية

متابعة: هلا حداد

يقف لبنان اليوم على مفترق طرق لم يشهد مثله منذ أربعة عقود. وما يجري ليس مجرد مفاوضات دبلوماسية بين طرفين للمرة الأولى منذ فشل اتفاق السابع عشر من مايو 1983 بل هو إعادة رسم خريطة النظام الأمني الإقليمي برمته وبشروط تحدّدها الأطراف الأقوى لا الأكثر حقاً السياق لا يمكن عزله عن الوقائع.
في سبتمبر 2024 شنّت إسرائيل سلسلة عمليات عسكرية نوعية أفضت إلى تفكيك الهيكل القيادي للمقاومة واغتيال أمينها العام حسن نصرالله. في فبراير 2026 ردّت المقاومة بأكثر من 1300 موجة هجومية دعمًا لإيران في مواجهتها مع الكيان الإسرائيلي، ما أشعل جبهة واسعة أودت بحياة نحو 2300 لبناني وهجّرت ما يزيد على مليون شخص من بيوتهم. هذه ليست أرقاماً إحصائية فحسب بل هي الثمن الذي دفعه المدني اللبناني من دمه وأرضه. الآن وبينما تنعقد الجولة الثالثة من المفاوضات في واشنطن يومي 14 و15 مايو 2026 يفرض السؤال الجوهري نفسه بلا مجاملة

هل يذهب لبنان إلى طاولة السلام أم إلى طاولة الاستسلام؟
ما يريده كل طرف على وجه التحديد..
الوفد اللبناني يحمل خمسة مطالب: تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وترسيم الحدود البرية والإفراج عن المعتقلين وعودة النازحين مع انطلاق مسار إعادة الإعمار.
في المقابل، الوفد الإسرائيلي يطالب بتفكيك المقاومة عسكرياً وإنشاء منطقة عازلة على الحدود وتطبيع العلاقات الدبلوماسية مع بيروت. هذه المطالب ليست متباعدة فحسب بل إنّها في جوهرها تنتمي إلى منطقين سياسيين مختلفين تماماً. لبنان يسعى إلى إنهاء احتلال، وإسرائيل تسعى إلى إعادة هيكلة المشهد الأمني الداخلي لدولة مجاورة. والفرق بين الطلبين هو فرق بين طرف يطالب بما هو حقه بموجب القانون الدولي، وطرف يريد فرض شروطه على سيادة دولة أخرى.
وهنا، تأتي الوثيقة الأمريكية لوقف الأعمال العدائية الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية كإطار قانوني تستند إليه المفاوضات التي تنص صراحة على أنّ إسرائيل تحتفظ بحقها في اتخاذ كل التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت، ضد أي تهديد وشيك أو جارٍ، وأنّ هذا الحق لا يمكن تقييده بأي هدنة.
فهل يعقل أن تُسمى سيادة تلك التي تبقى فيها أراضيك مستباحة بحجة حق الدفاع عن النفس؟ الإجابة في الوقائع وفي الخطاب الدبلوماسي هي لا. فرغم الهدنة المعلنة في السادس عشر من أبريل 2026 أكّدت تقارير مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أنّ العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقّف في الجنوب اللبناني، بما فيها ضربات جوّية، ومواجهات ميدانية، وعمليات هدم ممنهجة للبنى التحتية. وهدنة لا تُطبَّق على الأرض هي مجرّد بروتوكول دبلوماسي لا أكثر.

التداعيات: كيف يكون هذا الاتفاق سيّء الأثر على السيادة اللبنانية؟
الأثر الأول والأخطر هو ما يتعلّق بالأراضي المحتلة. تحتل القوات الإسرائيلية حالياً شريطاً بعمق ستة أميال داخل الجنوب اللبناني وتصفها بالمنطقة العازلة. فإذا أُبرم أي اتفاق في ظل استمرار هذا الواقع الميداني، فإنّ لبنان يكون قد أسبغ شرعية قانونية على احتلال أراضيه وهذا ما يرفضه القانون الدولي والقرار 1701 الأممي الصادر عام 2006.
وثّقت مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي، تحليلياً هذا النهج بوضوح: إسرائيل تسعى إلى تفادي التفاوض على مستقبل مناطق الجنوب من خلال التهجير الممنهج لسكانها، وتدمير بنيتها العمرانية لخلق وقائع ديموغرافية وجغرافية يصعب عكسها. وما يُعترف به في النصوص التفاوضية يتحوّل بالضرورة إلى مرجعية قانونية ملزمة.
الأثر الثاني يتصل بالمعادلة الأمنية الداخلية. تشترط الوثيقة الأمريكية أن تكون القوى الأمنية اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح على الأراضي اللبنانية، وهو شرط يستهدف مباشرة المقاومة. والمشكلة لا تكمن في مبدأ احتكار الدولة للسلاح، فهذا مطلب مشروع بل في أن تفرضه دولة أجنبية كشرط في اتفاقية ثنائية وليس كقرار سيادي داخلي نابع من الإرادة الوطنية. الفارق في مصدر القرار فارق بين السيادة والوصاية.
الأثر الثالث يطال البنية التحالفية الإقليمية. أي اتفاق يتضمّن بنود تطبيع ولو ضمنية، سيضع لبنان أمام انقطاع جيوسياسي حاد عن محور إقليمي طالما وفّر له هامشاً من التوازن في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. وتجربة دول سبقت إلى مسار التطبيع تُظهر أنّ المكاسب السياسية الآنية، لا تُترجم بالضرورة إلى مكاسب سيادية فعلية على المدى البعيد.

الانقسام الداخلي: ضعف إضافي في لحظة المفاوضات
يزيد المشهد الداخلي اللبناني من هشاشة الموقف التفاوضي. الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام يدعمان مسار التفاوض، لكن صلاحياتهما الفعلية تبقى رهينة توافق سياسي داخلي غير مكتمل. رئيس مجلس النواب نبيه بري يرفض أي مقاربة تطبيعية، ويُصر على حصر الملفات في وقف إطلاق النار، والانسحاب والأسرى والإعمار. والمقاومة وصفت هذه المحادثات بأنّها خطأ استراتيجي جسيم، وأعلنت رفضها الالتزام بأي مخرجاتها وفد يفاوض في واشنطن وجبهته الداخلية لم تتوحّد بعد: هل هذه قوّة تفاوضية أم ثغرة يستغلها الطرف الآخر؟ هذا الانقسام ليس شأناً داخلياً حصراً بل هو متغيّر يُضعف موقف الوفد اللبناني في كل جولة، ويمنح الجانب الإسرائيلي هامشاً لتصعيد شروطه مع كل تأجيل.

الإطار القانوني الدولي: ما يجب ألا يُتنازل عنه
القرار الأممي 1701 الصادر عام 2006 يُلزم إسرائيل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، وهو ما ظل حبراً على ورق لعشرين عاماً. الموقف اللبناني المُعلَن يستند إلى هذا القرار كسقف للتفاوض، غير أنّ الإطار الأمريكي الراهن يتجاوزه من خلال ربط أي انسحاب إسرائيلي بتحقيق شروط أمنية متحرّكة لا سقف محدداً لها ولا جدول زمني ملزماً يؤطّرها. الخطورة هنا، أنّ الدخول في تفاوض يتجاهل هذا السقف القانوني، يعني ضمنياً القبول بإطار مرجعي جديد، يلغي ما كسبه لبنان بصعوبة في المحافل الدولية منذ عام 2000.

السيادة لا تُمنح في نص اتفاقية
السيادة في جوهرها السياسي ليست مجرد توقيع على وثيقة أو تبادل سفراء. هي القدرة الفعلية على صون الإرادة الوطنية وإدارة الأمن الداخلي وفرض الشرعية على الأرض. ما يواجهه لبنان اليوم هو أنه يدخل مفاوضات سلام قبل أن يُرسي الحد الأدنى من هذه القدرة، وهو ما يجعل أي اتفاق محتمل، عرضة لأن يُكرّس الضعف لا أن يُعالجه..
فهل يريد لبنان سلاماً حقيقياً يقوم على أسس قانونية متكافئة، أم يقبل بتسوية تُعيد رسم حدود ضعفه بحبر دبلوماسي؟
الجواب عن هذا السؤال لن يكون في واشنطن. بل سيكون في مدى تماسك الموقف اللبناني، وقدرة الدولة على أن تقول بصوت واحد: سيادتنا غير قابلة للتفاوض.

التعليقات