كتبت: د. لينا الطبّال
إخراج وإعداد الصور: #garabettahmajian
في مطار أوروبي رمادي، أتساءل كيف سيكون المشهد حين تقف العدالة أخيراً على قدميها: شرطيان يقطعان الطريق على بن غفير، يتحققان من هويته، ثم يُبلغانه ببرود: “أنت قيد الاعتقال بتهم تتعلق بالتعذيب والتنكيل بالمعتقلين الفلسطينيين”. يصرح بتلعثم أنه “وزير الأمن القومي”، يبتسم الشرطيان؛ يعرفان ذلك، الاسم والصفة مكتوبان في الملف فالألقاب وحصانات البصل تتبخر هنا، والسلاح المصوّب إلى الرؤوس لا يمنح صاحبه حصانة دائمة.
هذا الاعتقال لم يحدث بعد…
لكنه المشهد الأنسب لختام أفعال وزير المساخر.
آخر إنجازات بن غفير كانت اقتحام قسم الأسيرات الفلسطينيات برفقة أفراد من عائلته، وحرص على تصوير تهديداته، ونشرها فوراً للجمهور. زيارة عائلية إذاً… لكن أهلاً بك في منطق اليمين المتطرف: العائلة الوحيدة التي تُفتح لها الأبواب المغلقة هي عائلة وزير المساخر.
المأساة لا تنتهي عند توقف الكاميرا ولا الفيديو، تروي الأسيرات بقية برنامج بن غفير الوزاري من عنف وتعذيب بحقهن. وبعد ذلك يغادر بن غفير الزنازين حاملاً مادته الدعائية ليجمع بها بضعة أصوات انتخابية… بينما بقي برنامجه الفاشي قيد التنفيذ خلف الأبواب المغلقة.
لقد عرفت هذا المنطق الرخيص عن قرب؛ ففي سجن كتسيعوت، وتحديد داخل الزنزانة رقم 7، حضر بن غفير نفسه خلال عملية ترهيب استخدمت فيها الكلاب المسعورة ورجال مسلحون حتى النخاع. وما دام السلاح مصوباً إلى الرأس، لا يحتاج صاحبه إلى كثير من الذكاء كي يكون خطيراً.
من الكلاب إلى مشروع التماسيح، تتّسع مخيلة بن غفير العقابية، وحتى مع تجميد المشروع قضائيًا، يبقى اقتراح إحاطة السجن بالتماسيح معبرا عن صاحبه… ثم تأتي المشانق، ومدرّجات للموت ومنشأة الإعدام وأماكن المشاهدة: بن غفير يفتتح أماكن للموت كما يفتتح زميله جسرا او مولاً ضخماً.
وهنا نصل إلى غباء المهرج، يظن بن غفير أن اللعبة تتوقف عند حدود الكنيست، بينما يتغاضى عن طواحين العدالة الدولية… لا توجد حصيلة علنية موثوقة تسمح بجمع كلّ الشكاوى بحقّه في رقم واحد.
في تركيا، صدرت في تشرين الثاني 2025 أوامر توقيف شملت بن غفير ضمن 37 مسؤولًا إسرائيليًا، في ملف يتعلّق باتهامات بالإبادة وجرائم ضدّ الإنسانية. هذه خطوة قضائية فعلية؛ لكنّ الأمر التركي لا يتحول تلقائيا إلى أمر تنفّذه شرطة كل مطار في العالم. .. وفي مسار المحكمة الجنائية الدولية، نشرت تقارير في أيار 2026 معلومات عن طلبات توقيف شملت اسمه.
أمّا محكمة العدل الدولية، فلا تحاكم بن غفير جنائيًا. الاستناد إلى تصريحاته في المرافعات يتعلّق بمسؤولية الدولة وبالاستدلال على سياساتها ونيّاتها؛ ولا يساوي حكمًا شخصيًا عليه، لكن جنوب أفريقيا أوردت تصريحاته الفاشية في مرافعتها أمام المحكمة…
سياسيًا، بدأت كلفة أخرى تظهر. في حزيران 2025، أعلنت بريطانيا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا والنرويج إجراءات تستهدفه وسموتريتش بسبب التحريض على العنف ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية. ليست هذه محاكمة، لكنها تعني أنّ الصفة الوزارية لم تعد تضمن حسن الاستقبال.
العواصم الأوروبية تعامل بن غفير كوزير للمساخر حقاً: متطرف غير مرغوب فيه وخارج عن كل عرف دبلوماسي.
في بروكسل، ترفض مؤسسات الاتحاد الأوروبي عقد أي اجتماع أو إجراء اتصالات معه. وفرنسا لم تنتظر طويلاً؛ إذ فرضت حظراً فردياً يمنعه من دخول أراضيها، بسبب سجل الانتهاكات وحوادث التنكيل بالمعتقلين. أما المملكة المتحدة وأيرلندا ودول أخرى، فذهبت إلى فرض عقوبات وحظر سفر على الشبكات والمنظمات الاستيطانية المتطرفة المرتبطة بدائرة نفوذه.
وأهم من كل هذا وهم الحصانة… لأن الصفة الوزارية لا تعمل مثل مقلاع داوود ضد الجرائم. فالمادة 27 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تقرر بوضوح أن الصفة الرسمية لا تعفي من مسؤولية بن غفير الجنائية.
بصراحة، ما المستقبل الذي ينتظر مجرماً كهذا؟
ليس في التاريخ قانون يضمن سقوط المستبدّ في الموعد الذي يستحقّه، ولا تتمتّع العدالة بقوة تنفيذ مستقلة عن الدول.
لكنّ الحماية السياسية لها حساباتها الباردة والبطيئة جدا… عندما تصبح كلفة الرجل أكبر من فائدته، يكتشف شركاؤه فجأة وبالمصادفة المحضة أنهم باتوا منزعجين من سلوكه المتهور! وسيسارعون لتصنيفه .
أمّا قضائيًا، فقد تتراكم الشهادات، وتتحول الملفات الحقوقية تدريجياً إلى أوامر اعتقال قابلة للتنفيذ. قد تعرقلها السياسة، أو تؤجلها المصالح الدولية، لكن النهاية لن تكون سعيدة بأي حال من الأحوال لهذا الصنف من المجرمين.
دعوني أعود إلى المشهد الأول في المطار الذي تخيلته:
سيطلب بن غفير محامياً
وسيصرّ على معرفة سبب توقيفه
وسيصر بغضب على ألا يُهان أو يُهدَد…
والمفارقة الساخرة هنا أن مطالبه هذه ستكون صحيحة ومشروعة كلياً.
وهذه هي أشدّ المفارقات إيلاماً..
لوزير مجرم من هذا الطراز:
أن يتم تأمين حمايته عندما يتم احتجازه،
تلك الحقوق الإنسانية ذاتها التي بنى مجده السياسي على حرمان الآخرين منها.


