إعداد ومتابعة Garabet Tahmajian
بدأ عالم الفن أخيراً يُدرك مكانة نبيل قانصوه 1940- 2019، إن الإقتناءات الحديثة لكلٍّ من متحف سولومون- غوغنهايم في نيويورك، ومتحف هاي للفنون في أتلانتا، ومتحف سرسق في بيروت، إلى جانب اهتمام نقدي متجدّد من صحيفة “نيويورك تايمز” ومجلة “آرتفوروم”، أعادت تأكيدَ مكانة قانصوه بين أبرز رسّامي العالم العربي الحديث.
******************************************
تواجه أعمال قانصوه أسئلةً تبدو اليوم ملحّةً، كما لو كانت قد أُنجزت للمرة الأولى، مانحةً إياها خلوداً نادراً على الرغم من مرور عقود على إبداعها.
لقد كتب الناقد دونالد كوسبيت في “آرتفوروم”، واضعاً قانصوه في مصافّ أوتو ديكس وفرانسيسكو غويا، فيما قارنت مارثا شويندينر من صحيفة “نيويورك تايمز” نقاط َ التشابه بين لوحاته وجداريات “لوس تريس غرانديس”، وقارنت سلسلته “أوراق من مسرح الحرب”1980- 1992بسلسلة غويا “كوارث الحرب” 1810- 1820.
في23 يوليو 2026، سيشهد لبنان أوّلَ معرض فردي كبير لأعمال قانصوه في بلد مولده.
وبتقديمٍ من ملتقى دلول للفنانين (DAC)، يشكّل معرض “نبيل قانصوه ” الظلام والنور”- الجزء الأول عودةً إلى الوطن طال انتظارُها، لفنانٍ امتدّت مسيرته أكثر من خمسة عقود ولم تنطفئ يوماً صلته بلبنان.
دأب قانصوه على العودة إلى وطنه الأم مراراً، وفيما كان شاهداً على محطات مفصلية في تاريخه، كان في الوقت نفسه يصقُلُ أعمالاً فنية عالمية، ظهّرت الحرب والأدب والأساطير والموسيقى وصمود الروح الإنسانية. وقد تأمّل ذات مرة قائلاً: “أعتقد أن الفنان لا يستطيع أن ينفصل عن العالم.. نحن جزء منه، ونستجيب له من خلال الفن.”
نبذة عن حياته
وُلد قانصوه في بيروت عام 1940، ونشأ في بيتٍ يعجّ بالأعمال الفنية والصور والمقتنيات البصرية التي جلبتها عائلته من المكسيك، وكانت هذه البيئة حافزاً بحيث غذّت شغفَه بالرسم باكراً.
بعد دراسته في لندن، وصل إلى نيويورك عام 1966، حين كانت المدينة تقف في قلب عالم الفن الدولي، فنال شهادتين في العلوم السياسية وتاريخ الفن من جامعة نيويورك.
في سن الثلاثين، أسّس “غاليري الشارع 76″ في منزلٍ من طراز” تاون هاوس” في مانهاتن، سرعان ما تحوّل إلى ملتقى للفنانين والكتّاب والموسيقيين والنقّاد.
وتضمّ كرّاسات رسومه المبكرة صوراً لألفريد هـ. بار الابن، المدير المؤسّس لمتحف الفن الحديث، إلى جانب سلفادور دالي وهنري غيلدزالر وغيرهم من الشخصيات الثقافية البارزة الذين التقاهم في نيويورك.
تختزن لوحات قانصوه، الغنية بالألوان، توهّجاً يستحضر الضوء المتسلّل عبر نوافذ الزجاج الملوّن، مضيئةً مشاهد الصمود والأمل عبر أيقونات ضوئية لا تضاهى.
أعمال وإسهامات
في عمق أعمال قانصوه إصرارٌ ومواجهة للتبعات الإنسانية للحرب، فبين سبعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي، أنجز سلسلة واسعة من اللوحا، كرّسها لحرب فيتنام، والحرب الأهلية اللبنانية، وحرب الخليج، والعراق، وسوريا، وسواها من الأزمات الإنسانية.
تختزن لوحاته جوهر الإنسانية بعد أن تختفي النزاعات من الصفحات الأولى بزمنٍ طويل، وهي تسأل: ماذا يبقى؟ وما الذي سينتقيه التاريخ ليذكرَه؟ وأيُّ مسؤولية نحملها تجاه بعضنا بعضاً؟
ولا تقتصر إسهامات قانصوه الفنية على تصوير الحرب والنزاع، بل تتجاوزها بكثير.
لقد أبدع في أعمال عديدة استمدّها من مصادر أدبية وأسطورية والمصادر البيبلية.
وعلى مدى أكثر من خمسة عقود من ممارسته للرسم، ظلّ قانصوه ملتزماً بالموضوعات التي رأى أنها تستحق الاهتمام، ولم يبدّلْ رؤيتَه يوماً سعياً إلى القبول.
لقد كان الرسم، على حدّ تعبيره، الشرط الذي يجعل الحياة ممكنة: “أعيش لكي أرسم، من دون الرسم، لا أستطيع أن أستمر”.
ومقابل الوفاء لتلك الرؤية الفنية الصادقة، كان لا بدّ من ثمنٍ شخصي، إذ تضاعف ثقلُ المواضيع التي حملها وإن تضاءلت الفرص المتاحة لها، وأمضى قانصوه سنوات طويل، يعمل بعيداً عن الأضواء التجارية، ومع ذلك لم يتوقف يوماً عن الرسم.
لقد تبنّى مبدأ: “إنتاج الفن في وجه الحرب والقسوة واللامبالاة”، وظلّ يتواصل مع قادة العالم لتشجيع الدبلوماسية وتحقيق السلام من خلال مشاركة أعماله.
قالوا في الراحل
د. باسل دلول: والتزاماً لرؤية نبيل قانصوه على مدى سنوات حياته، ها هو د. باسل دلول، مؤسّسُ مؤسسة دلول للفنون، يعيدُ إلى الواجهة فناناً بقي وفيّا لفنّه ولوحاته، ويقول: “نبيل قانصوه عملاق فني ومن أهم فناني عصرنا، كان الرسم بالنسبة إليه هو الحياة، والآن- أكثر من أي وقت مضى- من الضروري أن نعرضَ أعماله في لبنان وحول العالم. واعتبر د. دلول: إن لغة قانصوه البصرية الأيقونية تحمل رسالة سلام، وتفتح لنا نافذةً على روح الإنسانية لا بدّ أن تُرى.”
عندما يقف المشاهد أمام لوحات قانصوه تجول في خاطره أسئلة عدّة. فلوحاته تغمرنا وتحيط بنا بالأشكال والحركة والضوء على نحوٍ يرفض المشاهد تلقّيها بسلبيّة. فهي تطالبه بالتيّقن والتعاطف والاستعداد ليكون شاهداً أمام التاريخ، تاريخ في كثير من الأحيان يُختزل إلى أرقام أو تُنسى تماماً.
أ. صالح بركات: مؤسّس غاليري أ. صالح بركات وأحد أبرز المرجعيات في الفن العربي الحديث والمعاصر، فقد عرف قانصوه شخصياً ويرى أن الزمن لم يزد الفنان إلا حضوراً وراهنية.
قال بركات: “كان يتحدث عن هذه الأمور قبل خمسين عاماً، لم نكن مستعدين للإصغاء، لقد تطلّب الأمر منا عقوداً لنفهم ما كان يحاول أن يقوله لنا، وقد آن الأوان الآن ليفتح العالم عينيه على نبيل قانصوه”.
وبالنسبة إلى دانيال وليلي نبيل قانصوه، اللذين أسّسا “مؤسسة أعمال نبيل قانصوه” بعد وفاة والدهما عام 2019، يستجيب المعرض لأملٍ حمله الراحل طوال حياته. فقد جرى استقدام لوحاته إلى بيروت، لتكون أوّل إنطلاقة لمعرض فردي لقانصوه في الوطن الذي بدأت فيه حكايته.
د. دانيال قانصوه قال “إلى جانب التعريف بهذه اللوحات، أردنا أن يعرف الناس الإنسان الذي يقف خلفه بكل ميزاته: رحمته، وفضوله، وإيمانه الراسخ بأن الفن قادر على بناء الجسور بين الناس. هذا المعرض يدور حول من كان نبيل قانصوه ، بقدر ما يدور حول الأعمال التي أبدعها على مدى أكثر من خمسة عقود، إن الأعمال المعروضة تُضيء إيمانه العميق بأن إدراك إنسانيتنا المشتركة وترابطن، أمرٌ جوهري للحياة نفسها”.
يجمع معرض “الظلام والنور”- الجزء الأول لوحاتٍ من سلسلة “انقسام الحياة” إلى جانب مجموعة من الأعمال والمواد الأرشيفية، تمتدّ من سبعينيات القرن العشرين حتى سنة 2010.
يضمّ المعرض لوحاتٍ كبرى مستوحاة من الحرب الأهلية اللبنانية، من بينها “لبنان 1982″، صورة غلاف للدراسة الشاملة لمسيرة قانصوه الفنية على مدى عشرين عاماً، و “لبنان 1977″: دوامات الغضب، و”دوامات ملتهبة”: لبنان صيف 1982 صبرا وشاتيلا، وبالتزامن، وضمن “الظلام والنور” – الجزء الثاني، تقدّم مؤسسة دلول للفنون (DAF) وتعرض الرسوم الـ 242 كاملةً من سلسلة “أوراق من مسرح الحرب”، المنجَزة بين عامَي 1980 و1992، كما يقدّم المعرضان معاً ، أشمل معرض لأعمال قانصوه يُقام في لبنان على الإطلاق.
السيدة ليلي نبيل قانصوه قانصوه
تقول السيدة ليلي قانصوه: “إن رؤية هذه اللوحات في بيروت مؤثرة على نحو خاص، لأن من هنا بدأت الكثير من حكايته، لقد أحبّ والدي لبنان حباً عميقاً، وإن مشاهدة الطريقة التي يتواصل بها الناس هنا مع عمله تعني الكثير لعائلتنا، إن إقامة هذا المعرض هو بمثابة إعادة جزءاً مهماً منه إلى الوطن”.
وعلى الرغم من كل الدمار الذي نقله قانصوه إلى القماش، يؤكّد من عرفوه أنه لم يرسم قط من دون أن يترك مساحةً للأمل، فالتفاؤل الذي غذّى ممارسته ، يبقى حاضراً في أرجاء “الظلام والنور”.
إن لوحاته تدعونا إلى أن نتذكّر، وأن نشهد، وأن نقاوم اللامبالاة، وأن نتخيّل مستقبلاً، في أعمال توثّق تاريخا لن تتكرر لاحقاً.
لقد قال الفنان نبيل قانصوه ذات مرة: ثمة أمل دائماً، في مكانٍ ما من كل لوحة.”
وترى ابنته ليلي الإيمانَ نفسه يسري في أعمال حياته: “لقد آمن بأننا نستطيع أن نكون أفضل، آمن بأن الفنَّ قادرٌ على إحداث تغيير إيجابي، حتى في أحلك الأوقات.”


